فضل الإمامة في الدين وعمل البر


كثير من القضايا المعاصرة في المجالات الإنسانية والعلمية والحياتية، تحتاج إلى تقعيد شرعي ومنهجي قبل الحكم عليها بالصواب أو الخطأ؛ إذ إنها ترتبط -غالبًا- بمجموعة من القضايا المتفرقة، التي ينبغي ضبطها شرعًا قبل الحكم في المسألة، كما ترتبط -غالبًا- بمكونات ثقافية مختلفة، تحتاج هي الأخرى إلى تحليل أيضًا، فمن هذه القضايا الحياتية التي تحتاج إلى نظر وتأمل: القضايا التسويقية الشخصية، فهل يا ترى نحتاج لأن نسوق لأنفسنا؟ وما حكم الشرع في ذلك؟ وما ضوابط تلك المنهجية؟

الناس في ذلك فريقان:

- الفريق الأول يتساءل: ألسنا نتعامل مع الله؟! فلماذا نشرك معه غيره ؟! ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: ((من سمَّع سمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به)) ؟!

أليس في تسويقنا لأنفسنا قدحٌ في إخلاصنا لله -سبحانه- وطلبٌ لما عند الناس؟! ثم ألا تكفي أعمالنا لتسوق لنا، وإذا كان الأمر كذلك فما الداعي للحديث عن وسائل وطرق تسويق الشخص نفسه؟ أليس من الأفضل أن نكون أتقياء أنقياء أخفياء؟! كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله يحب العبد التقي الغني الخفي)).

- والفريق الثاني: يقول: نعم، نريد أن نكون أكثر إخلاصًا، ولكن مع هذا الإخلاص نريد أن نكون أئمةً في الخير يتبعنا الناس ونقودهم له، أليس مما تعلمناه من دعاء القرآن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}[الفرقان:74].

أليس الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم نبي الله يوسف -عليه السلام- هو الذي قال للملك: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم}[يوسف:55]

أليس نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو من كان يعرض نفسه على القبائل؟!

أليس القادة والأئمة كالدعاة لهم مثل أجور من تبعهم؟!

فكيف نترك هذا الأجر العظيم؟ ولماذا ؟! وهل تريدون منا أن نترك إعمار الأرض للكفرة باسم الزهد والورع؟! وهل أنتم أزهد وأورع من الخلفاء الأربعة؟!

وبين الطرفين يبقى التساؤل مطروحًا: ما حكم الشرع في أن يُسَوِّق الإنسان نفسه؟ وهل جاءتنا هذه المفاهيم من الغرب المادي المفتون بالنجومية والتميز والظهور؟! أم أنَّها من التفكير الناضج والعلم المنضبط بالشرع، الذي ينبغي أن نتعلمه؟!

وقبل الشروع في توضيح ذلك الأمر والرد على هذه التساؤلات لابد أولًا: من توضيح عدة نقاط مرتبطة بتسويق الإنسان نفسه، وَرَدَ فيها في الشرع آثار وأقوال، ثم نبين بعد ذلك المحاذير والتنبيهات عليها، ونوضح الفروق بينها، ومن هذه الأمور:

1 - فضل الإمامة في الدين وعمل البر وتحري العدل والصدق والإخلاص عند اختيار الولاة.

2 - فضل التواضع والخفاء وخمول الذكر، والنهي عن سؤال الإمارة أو الحرص عليها، واختيار ترك الولايات إذا لم يتعين على الشخص القيام بها، أو تدع الحاجة إليه.

3 - تزكية النفس.

4 - حكم مدح الإنسان لنفسه، وحكم الممدوح.

5 - حكم إظهار العمل الصالح وإخفائه.

6 - ملحق: أقوال في قول يوسف عليه السلام: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم}[يوسف:55]

7 - محاذير وتنبيهات شرعية لبعض الأشكال التسويقية.

8 - الفرق بين المنهج الشرعي والمنهج الغربي في التسويق للنفس.

9 - لماذا تُسَوِّق نفسك؟

ونستعين بالله في تفصيل هذه الأمور:

فضل الإمامة في الدين وعمل البر

فضل الإمامة في الدين وعمل البر، وتحري العدل والصدق والإخلاص عند اختيار الولاة:

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}[الفرقان:74].

قال القرطبي: فيه دليل على أنَّ طلب الرياسة في الدين ندب ، وقال ابن القيم: وتأمل كيف جعل جزاءهم في هذه السورة الغرف؛ وهي المنازل العالية في الجنة، ولما كانت الإمامة في الدين من الرتب العالية، بل من أعلى المراتب التي يُعطاها العبد في الدين كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة .

وقال صلى الله عليه وسلم: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله(( وذكر منهم: ((إمام عادل((.

وقال صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين: الذين يَعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا((.

وقال صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ أحبَّ الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسًا إمامٌ عادل، وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم مجلسًا: إمام جائر((.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ في الجنة قصرًا يُقال له: عدن، حوله البروج والمروج، له خمسة آلاف باب، عند كل باب خمسة آلاف حيرة، لا يدخله -أو لايسكنه- إلا : نبي، أو صديق، أو شهيد، أو إمام عادل)). وقال صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم)).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((يوم من إمام عادل أفضل لأمتي من عبادة ستين سنة)).

وقال علي بن أبي طالب -رحمه الله- على المنبر في يوم الجمعة: أيها الرعاء، إنَّ لرعيتكم حقوقًا: الحكم بالعدل، والقَسْم بالسوية، وما من حسنة أحبُّ إلى الله من حكم إمام عادل .

وقد أجمع أهل العلم على هذا الفضل، قال النووي: وأما من كان أهلًا للولاية، وعدلًا فيها؛ فله فضل عظيم، تظاهرت به الأحاديث الصحيحة، وإجماع المسلمين منعقد عليه، ومع هذا فلكثرة الخطر فيها حذَّر صلى الله عليه وسلم منها، وكذا حذر العلماء، وامتنع منها خلائق من السلف، وصبروا على الأذى حين امتنعوا. اهـ

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وذلك أنَّ الولايات وإن كانت خطرة لكن إذا أقيم أمر الله فيها لم يعدلها شيء من الأعمال، وإنَّما يُهاب الدخول فيها أولًا خشيةَ ألا يُقام أمر الله فيها لكثرة نوائبها، وخشيةَ أن يُفتن القلب بالولاية؛ لما فيها من الشرف والعز، ويُكره طلبها؛ لأنَّ حُبَّ الشرف وإرادة العلو في الأرض يكون الغالب فيها، ولأنَّه تَعرُّضٌ للمحنة والبلوى؛ فإذا ابْتُلِيَ المرءُ بها صار القيام بها فرضًا عليه، وكذلك إذا تَعَيَّنَتْ عليه، وأمَّا إمامته صلى الله عليه وسلم وإمامة الخلفاء الراشدين فكانت مُتعيّنة عليهم .اهـ

412


كلمات دليلية: