طبيعة الإنفاق في تسويق الأفكار


يقوم تسويق الأفكار في العالم الغربي على دافع الضرائب بالدرجة الأولى كما تقوم كل المنظمات غير الربحية هناك، ويقوم -أو يفترض أن يقوم- تسويق الأفكار في العالم الإسلامي على الصدقات والزكوات كما تقوم كل المنظمات غير الربحية، إلا أن طبيعة الإنفاق في تسويق الأفكار تحده ضوابط لا توجد في الإنفاق في القضايا الأخرى، فمن هذه الضوابط:

- الحكم الشرعي أو القانوني: ففي العالم الغربي لا يحق حتى لرئيس الدولة الإنفاق من أموال الضرائب في غير ما يحده النظام، وفي عالمنا الإسلامي لا يحق للشخص أن يضع الزكاة في غير موضعها ومصرفها الذي حددها الله فيه، وهي مصارف الزكاة الثمانية، وإن كان هناك خلاف فقهي معتبر لدى العلماء في سعة قوله -تعالى-: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم}[التوبة:60]، وهل هو خاص بالجهاد البدني أم عام، وإلى أي مدى يتسع؟!

- من القضايا المهمة جدًّا في الإنفاق على تسويق الأفكار: أن تضبط ماليًّا ومحاسبيًّا، وعدم التساهل في ذلك، فالتسويق -كما تقدم- يرتبط كثيرًا بصراعات سياسية أو عقدية، مما يجعل المنافس ينتظر من خصمه الهفوة والسقطة، ولذا فالوضوح والضبط المحاسبي في غاية الأهمية.

- نوع الإنفاق المالي: أي أنفاق في أي مشروع له وجهين أو قسمين:

إنفاق تأسيسي في الأصول الأولية.

وإنفاق تشغيلي في المصاريف المستمرة للمشروع.

ومن المهم في مشاريع تسويق الأفكار: أن يحدد المدى الذي يراد أن يستمر فيه المشروع، فقد يكون غير مناسب إطلاقًا إنفاق جزء كبير في التأسيس لمشروع لن يستمر طويلًا، سواءً كان السبب لطبيعة الفكرة أو الأفكار، أو كان السبب لأسباب إدارية وتنظيمية بحتة.

- نظرًا للارتباط الشديد بين تسويق الأفكار والسياسة والتجمعات والجماعات، فإن هذا الارتباط يجعل الإنفاق في هذه المجالات يرتبط بشكل كبير بالثقافة السائدة والتوازنات والنفسيات الموجودة لدى الجهات السياسية، أو التجمعات والأحزاب، أو الناس، ولذا فقد تضطر -أحيانًا- إلى الإنفاق لأناس يرى بعض الناس -وقد يكونوا على حق- أنهم قد لا يستحقون، فيعطيهم إما كسبًا لهم، أو درأً لشرهم، وتحييدًا لهم، ولذا كان من مصارف الزكاة في الإسلام (المؤلفة قلوبهم)، ولو كانوا كفارًا، ولما أُتي بمال أو سبي، فقسمه الرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأعطى رجالًا وترك رجالًا، فبلغه أن الذين تَرَكَ عتبوا، فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فوالله إني لأعطي الرجال وأدع الرجال، والذي أدع أحب إليَّ من الذي أعطي، ولكن أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، فيهم عمرو بن تغلب». متفق عليه.

- على العاملين في تسويق الأفكار التأكد -أحيانًا- من أنهم ليس لهم مكسب شخصي بأي وجه من الوجوه من وراء هذا الإنفاق، فلئن كانت المجتمعات تسمح لكثير من الناس أن يستفيد شخصيًّا من الإنفاق في الأعمال التجارية، إلا أن الاستفادة الشخصية في تسويق الأفكار تكسب الفكرة صفة الفكرة الشخصية، وليس الفكرة العامة، وتأول الأمور إلى مكاسب شخصية بدلًا من المكاسب الفكرية، إلا إذا كانت الفكرة المسوقة فكرة شخصية، وعائدها شخصي.

 

394