بين الشرع والغرب في تسويق النفس


هل المفاهيم التي يقوم عليها حب الإمامة وتسويق النفس في الشرع هي نفسها في المنهج الغربي المادي؟

بعد بيان المنهج الشرعي بشيء من التفصيل في الصفحات السابقة، يمكن القول: إنَّ هناك فروقًا جوهرية بين المنهجين تظهر في العديد من النقاط الآتية:

حب الظهور والبروز والتميز:

من حيث حب الظهور والبروز والتميز: يقوم المنهج الشرعي على أنَّ المسلم يقصد بعمله وجه الله، لا يريد إلا وجهه، قال تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُورًا}[الإنسان:9]

، وكلما كان العمل في السر والخفاء كان أفضل، فإن أظهره انتقل من عمل السر -الذي هو أفضل- إلى عمل العلانية. ويربي المسلمون أنفسهم وأتباعهم على ذلك، ويحرصون على عدم التميز لا بلبس ولا بعادة ولا غير ذلك؛ فعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا: أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَلْهَبَ فِيهِ نَارًا))، فيكره لهم الظهور والتشهير وإن كانوا يتسابقون إلى طاعة الله، وإلى ما يُقَرِّبُ إليه! بينما يغلب على المنهج الغربي المادي حبُّ الظهور والبروز، فليس للعمل لديهم معنًى ما لم يكن ظاهرًا ومعروفًا ومنسوبًا إلى صاحبه، ولذا تجدهم يحرصون ويتسابقون في البروز والتميز والظهور ولو كان التميز بشكل غريب أو طريقة تبدو مُنفِّرة، ويُربُّون أبناءهم على التميز على أقرانهم وعلى إظهار قدراتهم وتبيين نبوغهم. قارن بين هذا الموقف وبين ما أعلنه الإمام الشافعي -رحمه الله- كما يروي ابن كثير في (البداية والنهاية) إذ يقول: ((وَدِدْتُ أنَّ الناس تعلموا العلم ولا يُنسَبُ إليَّ شيءٌ منه أبدًا؛ فأُوجَرَ عليه ولا يَحمدوني)) تجدِ البونَ شاسعًا، والفرقَ واضحًا جليًّا، لا يخفي على ذي عينين.

بين الإمامة والرئاسة:

في المنهج الشرعي يكون الحرص على الإمامة من أجل زيادة أجر الإنسان عند الله؛ إذ أن له مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا؛ فهو من قبيل التسابق إلى الخير، قال تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُون}[الحديد:27]، وفيه حِرْصٌ على الأجر ونفعِ المسلمين وخدمتهم، فهو تكليف لا تشريف، بينما في المنهج الغربي الحرص على الرئاسة والقيادة يكون من أجل السيطرة على الناس، والظهور عليهم، والبروز عنهم، وتحصيل الفرص قبل الآخرين، وتحصيل للشرف والسؤدد والنجومية.

   بين التنافس على البناء والصراع على السلطة:

المنهج الشرعي يقوم على التنافس والتسابق في الخير للبناء ونفع الناس، بينما المنهج الغربي يقوم على الصراع من أجل الحصول على السلطة؛ لتحصيل مكاسب شخصية أو فئوية؛ ولذا يركز المنهج الشرعي على نفع الآخرين ونشر العلم والخير: ((خير الناس أنفعهم للناس))، و ((الخلق كلهم عيال الله، فأحب خلقه إليه، أنفعهم لعياله))، بينما يركز المنهج الغربي على تسليط الضوء على الشخص، وبيان اسمه، وتحقيق الشهرة والنجومية، إلى غير ذلك.

   هدف وغاية التسويق للنفس:

المنهج الشرعي يهدف ويركز في تسويق النفس على ما عند الله والدار الآخرة، وإن كان لا يُغفل نصيب الدنيا،قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِين}[القصص:77]، لذا تجدهم يتعبدون بالإمامة ويتنافسون في الخير، بينما تسويق النفس في المنهج الغربي ليس له إلا أهداف محصورة في الحياة الدنيا، فلها يحيون، ولها يعيشون، وفي سبيلها يموتون.

   الإمامة تكون في الخير والحق، والرئاسة والإمارة تراهن على أي مبدإ:

المنهج الشرعي يركز على الغايات والمقاصد ويهتم بها، ولأَنْ يكون الإنسان تابعًا وذَنَبًا في الخير خير من أن يكون قائدًا ورأسًا في الباطل، فهو منهج يُركِّزُ على الغايات والمقاصد والمبادئ، بينما المنهج الغربي يركز على النجومية والتميز ولو كان التميز في الباطل والسوء والسخافة؛ ولذا يعد في المنهج الغربي نَجْمًا مَنْ فاز في مسابقةِ أقبح وجه، أو كان أكبر لصٍّ أو ما شابه ذلك!

484


كلمات دليلية: