البناء من أجل الاستمرار


(بتصرف عن: جيمس سيز كولنز وجيري آي بوراس، البناء من أجل الاستمرار: العادات الناجحة للشركات الرائدة):
يشعر معظم الناس بالإلهام لمجرد سماع فكرة بناء شركة كبيرة تدوم على مر الزمان، وتقاوم عوامل الفشل والتراجع.. تلك المؤسسة الخالدة المتأصلة في مجموعة من القيم الجوهرية، القادرة على البقاء بسبب قدرتها المتواصلة على تجديد ذاتها من داخلها بشكل مستمر. هذه الفكرة تراود الكثير من رجال المال والأعمال.
وبشكل عام، فإن هناك سرًا واحدًا وراء كل شركة عظيمة خالدة، هو القدرة على الاستمرارية والتغيير، مع الاحتفاظ بالثوابت التي تمثل عقيدة المؤسسة، أو الأيديولوجية الثابتة التي توفر الثبات والاستقرار، وتدعم التغيير في استراتيجية التشغيل والتحرك الحر في سوق العمل.
وإذا كان كتابنا هذا يناقش الفكر من أجل البناء، فإن ما نعرض له هنا، هو البناء من أجل الاستمرار، يشتمل على عوامل مكملة لفكرة تحويل الأفكار إلى مشاريع، من خلال استمرارها والحفاظ على نجاحها.. ونقدم فيما يلي أهم ملامح عوامل البناء من أجل الاستمرار، وتوصيات تتعلق بنجاح الشركات بناءً على تجارب عملية:
1- أساطير يجب أن تمحى:
هناك عدد من الأساطير وما يعتقد أنه ثوابت متعلقة بعلم الإدارة يجب أن تمحى وتزال، كتمهيد لموضوع بناء المؤسسات والشركات من أجل الاستمرار، نستعرض اثنتي عشرة منها في إيجاز على النحو التالي:
 الأسطورة الأولى: يتطلب إنشاء شركة عظيمة فكرة عظيمة.
الواقع: أن بعض الشركات بدأت دون فكرة محددة، بل بعضها بدأ حياته بفشل ذريع، أو عانى من بدايات بطيئة، ثم ما لبث أن فاز في نهاية السباق، بالمثابرة والعمل.
الأسطورة الثانية: تتطلب الشركات الرائدة زعماء مثاليين عظماء.
الواقع: لا تحتاج الشركات الرائدة في الغالب إلى زعيم مثالي، الذي ربما أصبح عائقًا فيما بعد نتيجة ارتباط الشركة بوجوده، وهو وجود مؤقت وإن طال، بل إن التركيز يجب أن يكون على بناء المؤسسة وهيكلها أكثر من الاهتمام بعظمة المدراء.
الأسطورة الثالثة: الغرض الأول والأخير من وجود أنجح الشركات هو تحقيق أقصى درجة من الربح.
الواقع: الشركات الرائدة لم تهدف إلى الوصول إلى الحد الأقصى من الربح، فالربح هو أحد أهدافها وليس هدفها الرئيس بحال، ولعل هذا يكون أحد الأسباب في ارتفاع مكاسبها بالفعل.
الأسطورة الرابعة: يجمع بين الشركات الرائدة مجموعة من القيم الجوهرية الصحيحة.
الواقع: تختلف القيم والأيديولوجيات من شركة رائدة لأخرى، إلا أنها تتفق على عمق إيمان كل شركة بالقيم والأيديولوجيات التي تعتنقها وتتبعها وتعمل على ضوئها، وهذا هو الأهم.
الأسطورة الخامسة: «التغيير» هو الشيء الوحيد «الثابت».
الواقع: الشركات الرائدة تحافظ على جوهر أيديولوجيتها التي لا تتغير، ولكن ما يتغير هو آلياتها وأدواتها، مع الحفاظ على ثبات الجوهر.
 
الأسطورة السادسة: الشركات المضمونة تركن إلى جانب الأمان وعدم المغامرة.
الواقع: الشركات الرائدة لا تجبن عن استخدام آليات التقدم، ولولا خوضها غمار تجارب عديدة بها قدر كبير من المجازفة لما احتلت هذا الموقع المتقدم والرائد في عالم الأعمال.
الأسطورة السابعة: تمثل الشركات الرائدة ساحة عمل رائعة لكل الناس.
الواقع: هذا الأمر ينطبق فقط على هؤلاء الأشخاص الذين يؤمنون بالقيم الجوهرية للشركة ويتواءمون مع ثوابتها الراسخة، والتي تعتبر المحرك الرئيس للشركة والدافع لتقدمها.
الأسطورة الثامنة: تقوم بعض أفضل أعمال الشركات الناجحة على تخطيط استراتيجي معقد وممتاز.
الواقع: تقوم بعض أفضل أعمال الشركات الرائدة باعتماد أسلوب التجربة والمجازفة وانتهاز الفرص والمخاطرة.
الأسطورة التاسعة: ينبغي على الشركات تعيين مديرين تنفيذيين من خارجها لتشجيع التغيير الجذري.
الواقع: هذا الأمر يحدث نادرًا، وبالتالي قلما يؤثر على تقدم الشركة الرائدة؛ فالتغيير لا يمكن أن يأتي ممن هم خارج الشركة؛ لا يؤمنون بأيديولوجيتها، ولم يعاصروا مراحل تطورها، وغير ملمين بحقيقة احتياجاتها.
 
الأسطورة العاشرة: يتركز اهتمام أنجح الشركات بصورة رئيسة في التفوق على منافسيها.
الواقع: تركز الشركات الرائدة في المقام الأول بالتفوق على ذاتها، فهذا هو هدفها الرئيس.
الأسطورة الحادية عشرة: لا يمكن أن تحصل على أمرين في آن واحد.
الواقع: لا تخضع الشركة الرائدة نفسها لمبدأ (أو)، الذي يتيح لها اختيارًا واحدًا من بين اثنين، بل تتبع مبدأ (و) الذي يجعلها تجمع بين الاختيارين.
الأسطورة الثانية عشرة: يرجع تحول الشركات إلى شركات رائدة في المقام الأول إلى البيانات أو التصريحات المثالية.
الواقع: الفضل ليس للبيانات والتصريحات المثالية، بل للعوامل التي تؤكد مصداقية هذه البيانات والتصريحات وتجعل لها صدى من الواقع وظلًّا من الحقيقة، وليس كلامًا أجوف وألفاظًا رنانة لا تعبر عن شيء.
2- أشياء تفوق الربح:
بعد تنحية تلك الأساطير والمسلمات التي تمثل قيودًا على انطلاق الفكر والعمل فيما يتعلق بعلم الإدارة، نجد أن جوهر أيديولوجية الشركات الناجحة، تمثل في مجموعها أشياء عديدة، تفوق أولويات الربح والمكاسب المادية، وإن كانت لا تغفلها، وفيما يلي نذكر أهم ملامح تلك الأيديولوجية:
- الأيديولوجية الجوهرية وتحطيم أسطورة الربح:
في بعض الأحيان تنبع الأيديولوجية الجوهرية من الجذور التأسيسية، وأيضًا قد تنبع من الجيل الثاني الذي يعمل بالشركة، وهم في كل الأحوال يعون أن تحقيق الربح شرط ضروري للبقاء، إلا أنه ليس هو الغاية بالنسبة للشركات الرائدة.
- عقيدتنا أولاً:
من أهم مزايا وعوامل نجاح الشركات الرائدة، أنها تؤمن أن مسؤوليتها الأولى تتعلق بمنتجاتها، ولابد أن تكون فائقة الجودة، والثانية خلق نوع من الإحساس بالأمن لدي العاملين، سواء كان ذلك من خلال المعاملة أو بالأجر، والثالثة تتعلق بكفاءة الإدارة التنفيذية، والرابعة تتعلق بالمجتمع وصلاحه وقدر القيم والأخلاق الموجودة فيه، والخامسة والأخيرة تتعلق بحاملي أسهم هذه الشركات، فيجب أن يلاقوا قدرًا من الربح الذي يجعلهم يستمرون في هذا المشروع.
- هل هناك أيديولوجية «صحيحة»؟:
يمكن الإجابة على هذا التساؤل في أنه لم يوجد محتوى أيديولوجيًّا معينًا فيما يتعلق بالشركات الناجحة، يمكن أن يشكل أهمية أساسية في كون الشركة شركة طموحة وناجحة من عدمه، ولكن صدق الأيديولوجية وترابطها يعتبر أكثر أهمية من محتواها، والخطوات الصحيحة التي تتخذ في تنفيذها هي التي ترتب النجاح أو الإخفاق.
- أقوال لا أفعال؟:
 لكي نستوثق من الأيديولوجيات الجوهرية التي تعتنقها الشركات لا بد من أمرين مهمين، هما: أن تؤكد الأبحاث الاجتماعية والنفسية أنه عند تبني الناس للأفكار، فمن المرجح أن يتوحد سلوكهم نحو هذه الأفكار والأمر الثاني والمهم: أن الشركات لا تكتفي بمجرد الإعلان، إنما تتخذ خطوات جادة لتعميم هذه الأيديولوجية الجوهرية، وذلك عن طريق غرس الأيديولوجية الجوهرية، والإعداد والاختيار لكبار المدراء، وتحقيق الترابط مع الشركات المقارنة، وغيرها.
- القيم الجوهرية:
 وهي معتقدات المنظمة الأساسية والدائمة التي من المفترض ألا تتنازل عنها أمام أي مكاسب مالية، وبالتالي لا تحتاج القيم الجوهرية إلي تبرير عقلي أو خارجي، ولا تتغير استجابة لظروف السوق.
- الغرض:
 وهو مجموعة الأسباب الأساسية التي أدت إلى وجود المؤسسة، وكما أوضحنا أن المال ليس هو الهدف الأساسي بل الاستمرار بالتقدم هو الأساس.
3- حافظ على الجوهر / حفز التقدم:
وبعد أن استعرضنا أهم ملامح جوهر أيديولوجيات الشركات الناجحة، نجد أن هناك عدة نصائح، فيما يتعلق بالحفاظ على جوهر تلك الأيديولوجيات الخاصة بالشركات أو المؤسسات الناجحة، نوجز أهمها فيما يلي:
- حفز التقدم:
 تمضي الأيديولوجية الجوهرية في الشركات الرائدة بصورة متوازنة مع حافز لا يهدأ للتقدم، والذي يبحث عن التقدم إلى الأمام في كل ما يمثل جزءاً من الأيديولوجية الجوهرية. وينشأ عن حاجة إنسانية عميقة للاستطلاع والخلق والاستكشاف والإنجاز والتغيير والتحسين.
- حافز داخلي:
 حفز التقدم هو قوة داخلية تماثل الأيديولوجية الجوهرية، ولا ينتظر حتى يقول العالم الخارجي ها قد حان وقت التغيير، إنما هو الحافز الموجود داخل الفنان الذي يرغب في التحسين باستمرار.
- حافظ على الجوهر:
حفز التقدم، يعد التفاعل بين التقدم والجوهر أحد النتائج المهمة التي نسعى بها إلى تكوين مستوى عال من الأيديولوجية والتقدم في آن واحد، وتكمن الأيديولوجية الجوهرية في تحقيق التقدم، أما حفز التقدم فيسعى إلى الاستمرار نحو الأمام.
4- أهداف جسورة تتسم بالمخاطرة:
- آلية قوية لحفز التقدم:
لجميع الشركات أهداف، ولكن هناك فرق بين أن يكون لديك هدف وبين أن تلتزم بتحد ضخم.
- هدف واضح وملح:
 إن المشروعات الجسورة هي التي تتسم بالمخاطرة الفعلية، وهي التزام واضح وملح، ويمثل بؤرة موحدة للجهود، وهي التي تجعل العاملين ينغمسون فيها، فهي تمد أيديها وتجذبهم لخضمها في نشاط وتركيز، كما أن الناس يفهمون بسرعة ولا يحتاجون إلا إلى شرح يسير. وكما أنها - كما قلنا - تتسم بالمخاطرة، فإنها لا تقع في منطقة وسيطة وتعتبر من الأشياء غير المعقولة يدفعها حفز التقدم.
- الالتزام والمخاطرة:
ليس وجود الهدف فقط هو الذي يحفز على التقدم ولكن مستوى التزامه به، وفي الواقع لا يصبح الهدف هدفًا جسورًا إلا بالمخاطرة ووجود مستوى عال من الالتزام به.
- عامل الغطرسة:
إن الشركات التي تتمتع بدرجة من الريادة يكون لديها ثقة بالنفس تقارب التغطرس، في حين أن الأهداف الجسورة تكون أكثر جرأة لمن هم خارج الشركة عمن هم بداخلها، فلم تنظر هذه الشركات إلى جرأتهم، إنما إلى سخريتهم بالقدر، ولم يخطر ببالهم إمكانية إنجاز أمر سعوا إليه.
- الهدف وليس الزعيم (صنع الساعات وليس الإخبار بالوقت):
 إننا نرغب في أن نشدد على أن الآلية الرئيسة هنا لا تتمثل في الزعيم الذي يتمتع بشخصية رائعة؛ إنما الهدف في حد ذاته أصبح آلية محفزة.
- الأهداف الجسورة التي تتسم بالخاطرة، ومعضلة ما بعد رحيل زعيم بطولي:
تواجه الشركات بصورة متكررة مشكلة الاحتفاظ بقوة الدفع بعد رحيل زعيم بطولي، الذي كان على درجة عالية من النشاط، وفي الغالب يكون مؤسسها، فالشركات لا بد وأن تقدم حلًّا جزئيًّا، وذلك بوضع أهداف جسورة تكون حافزًا على مدار الأجيال.
- إرشادات لمديري العموم التنفيذيين والمديرين وأصحاب الأعمال:
من الأمور المهمة والخاصة بالأهداف الجسورة ما يلي: أن يتسم الهدف الجسور بالمخاطرة والجاذبية، وأن يتسم بالمخاطرة خارج دائرة الركون إلى الراحة والسكون، يجب أن يكون مشوقًا في حد ذاته حتى يستمر حفز التقدم، هناك خطر يتمثل في الهدف الجسور، وهو أنه بمجرد إنجازه تتوقف المؤسسة وتنغمس في الركون، وأخيرًا يجب أن يتلازم الهدف الجسور مع الأيديولوجية الجوهرية.
- حافظ على الجوهر وحفز التقدم:
الأهداف الجسورة لا تتمثل في الشركات الرائدة وحدها، إنما التقدم هو الذي يمثل الشركات، بغض النظر عن الآليات المستخدمة في هذا الحافز، وعلاوة على ذلك فإن الشركات الرائدة لا تدخل بصورة عمياء في أي أهداف عظمى عشوائية، ولكن تركز على الأيديولوجية الجوهرية، والأهداف الجسورة تمثل مصدرًا للاستثارة.
5- حضارات طائفية:
- حافظ على الجوهر وحفز التقدم:
 قد تكون الحضارة الطائفية خطيرة وعائقًا، إذا لم يوجد الطرف الآخر في المعادلة؛ فالحضارات الطائفية التي تحافظ على الجوهر يجب أن تحافظ على ذلك بتحفيز التقدم، وكلا الطرفين يجب أن يسير يدًا بيد في الشركات الرائدة، فكل منهما يدعم الآخر.
- الرقابة على العقيدة/ الاستقلال في التشغيل:
الشركات الرائدة تفرض رقابة صارمة على العقيدة، وفي الوقت نفسه تتيح استقلالية كبيرة في التشغيل، وهذا يشجع المبادرة الفردية.
- كما يطرد الجسم الفيروس:
هناك اعتقاد بأن الشركات الرائدة هي أنسب الأماكن التي يمكن العمل فيها، أو على الأقل أفضل من الشركات المقارنة، ولكن الحقيقة تختلف عن ذلك، أو لا تنطبق على الجميع، فالريادة كما تعلمنا لا تعني الراحة أو الفوضى، بل العكس تمامًا، فإن الشركات الرائدة لديها شفافية حول نفسها وأهدافها، وبالتالي ليس لها مكان لغير المناسبين لتلبية متطلباتها، ومن الأمور المهمة التي تتحلى بها الشركات الرائدة بدرجة أكبر من الشركات المقارنة هي: تمسك شديد بالعقيدة، تلقين العقيدة، الالتزام التام، الشعور بأنهم الصفوة.
6- جرب الكثير من الأشياء وحافظ على المفيد منها:
عند فحص تاريخ الشركات الرائدة، وجد أن نجاحها لم يأت عن طريق التخطيط الاستراتيجي الصحيح، بل عن طريق التجريب والمحاولة والخطأ والمصادفة.
- تطبيق نظرية «داروين» في التطور على الشركات الرائدة:
والتي قامت على فكرة التطور في الكائنات الحية وما حدث بعدها من طفرة في عالم الجينات الوراثية، وبالتطبيق على نظام الشركات الرائدة يمكن القول بأن العمليات التطورية يمكن أن تكون وسيلة قوية للحفز والتقدم إذا ما تم فهمها جيدًا، والتحكم فيها بوعي، وهذا دائمًا ما فعلته الشركات الرائدة بدرجة أكبر مما فعلته الشركات المنافسة.
- دروس لمديري العموم التنفيذيين والمديرين والمشرفين:
 هناك خمسة دروس أساسية لتحفيز التقدم في الشركات الرائدة هي: -جرب وبسرعة-، تقبل الأخطاء التي ستحدث، اخط خطوات صغيرة، أعط العاملين الفرصة وحرية العمل، الآليات.
- ما لا ينبغي أن تفعله:
وجدنا أن هناك مجموعة من الدروس التي يجب ألا تفعلها لكي تحفز التقدم، وهذه الأمور تتمثل في الكبت كعنصر أساسي، وهذا ما استخدمته الشركات المقارنة.
- التزم بالأصل، التزم بالأساس:
أن مصطلح التزم بالأصل فارغ في المعنى، ولكن السؤال الحقيقي: ما الأصل في الشركات الرائدة؟ وإجابتنا هي: العقيدة الأساسية.
- حافظ على الجوهر، حفز التقدم:
لابد من المحافظة على الجوهر وأنت تحفز التقدم والتطور؛ لأن التطور يتضمن كلًّا من التنوع والانتقاء، وهذا ما تستخدمه الشركات الرائدة.
7- إدارة من داخل الشركة:
من المؤثر أن يوجد مدير عام تنفيذي بكفاءة، على أن يوجد صف كامل من المديرين غير الأكفاء.
- الترقية من الداخل كي نحافظ على الجوهر:
 هناك أهمية كبيرة لدور القيادة في الشركات الرائدة، ومن الخطأ أن نقول لا أهمية للإدارة العليا، ومن السذاجة أن نقول إن أي شخص يصلح أن يكون مديرًا، وتعتني الشركات الرائدة بتطوير وتأهيل المواهب الإدارية لكي تعتمد عليها بشكل مباشر ومستمر في المستقبل، ومن خلال الاستعراض لتاريخ الشركات الرائدة وجدنا أربع حالات فردية تولى فيها أشخاص من الخارج إدارة الشركات في منصب المدير العام مباشرة.
- رسالة إلى مديري العموم التنفيذيين والمديرين المشرفين:
إن القضية لا تقتصر على وجود إدارة الشركة في الجيل الحالي، بل يتعدى ذلك إلى سؤال حيوي عن إدارة الشركة في الجيل القادم والجيل الذي بعده والجيل الذي يليه، فكل القادة يموتون والشركة الرائدة تستمر لقرون عديدة سعيًا لتحقيق أغراضها، وهي تعبر عن قيمتها الأساسية متجاوزة عهد أي قائد فرد.
8- التفوق وحده هو الذي يصلح:
- آليات عدم الرضا:
ليست الراحة هي الهدف من الشركات الرائدة، بل تهدف إلى خلق عدم الرضا وتحطيم الركود، وبهذا يتم التحسن قبل أن يطلب منه العالم الخارجي هذا، ومن هنا يجب على المؤسسات أن تخلق منافسة داخلية لكي تحتفظ بالقوة والنجاح.
- ابن للمستقبل (اعمل جيدًا اليوم):
لكي تنجح مؤسستك لابد من التفكير في النجاح على المدى الطويل، في الوقت الذي لابد من أن توطن فيه نفسك بمعايير المدى القصير التي تتطلب منك الكثير.
يعد الاستثمار الخلاق طويل المدى في الشركات الرائدة استثمارًا من أجل المستقبل، وبالتالي الإنفاق على الأبحاث والتطوير يعد من الأمور الهامة التي لابد وأن تكون بندًا منفصلًا في ميزانية المؤسسات الكبرى.
9- نهاية البداية:
إن الرؤية تعني:
مجموعة من الأيديولوجيات الجوهرية دائمة التقدم في المستقبل المنظور.
ومن دروس الترابط لمديري العموم التنفيذيين والمديرين وأصحاب الأعمال، يمكن إيجاز هذه الإرشادات في النقاط الآتية: ارسم الصورة كلها، اهتم بدقائق الأمور، اجتمعوا لا تتفرقوا، اسبح في الاتجاه الخاص بك، حتى وإن كنت تسبح ضد التيار، اقض على حالات سوء الترابط، حافظ على المتطلبات العامة أثناء ابتكار طرق جديدة.
ليست هذه هي النهاية:
هناك مجموعة من المفاهيم نحاول التركيز عليها قبل النهاية، وهي: فلتكن مثل صانع الساعات الماهر مهندسًا، لا كمن يحدد الوقت، فلتعتنق مبدأ حافظ على الأيديولوجية الجوهرية وحفز التقدم، اسع لتحقيق ترابط متوافق.
10- بناء الرؤية:
لبناء الرؤية مكونان أساسيان، هما: الأيديولوجية الجوهرية، والمستقبل المنظور.
الأيديولوجية الجوهرية:
من أهم مكونات بناء الرؤية، وهي الشخصية الدائمة لإحدى المنظمات، أو شخصيتها التي تبقى متسقة على مر الزمن، وتسمو على الدورة الحياتية للمنتج، كما أنها تمثل الرابطة القوية التي تحفظ جزيئات المنظمة، وتنمو وتقضي على المركزية، وتتكون من مكونين فرعيين هما: القيم الجوهرية، الغرض الجوهري.
القيم الجوهرية:
 هي مجموعة المعتقدات الأساسية والباقية للمنظمة، وفي ضوء هذا تحدد كل شركة مجموعة القيم التي تتمسك بها وتعتبرها استرشادية دائمة لها وجوهرية، وكلما ذادت القيم كلما ذاد نجاح الشركة، ولكن لابد من التفريق بين القيم الجوهرية التي لا تتغير وبين الممارسات اليومية التي لابد أن تكون قابلة للمرونة.
أما الغرض الجوهري:
 فيعتبر هو المكون الأكثر أهمية لإرشاد وتحفيز أي منظمة؛ كما أنه أكثر صعوبة في تحديده من القيم، وأيضًا لا بد من التميز بين الغرض الذي يدوم لفترات طويلة، وبين الأهداف والاستراتيجيات التي لابد أن تتغير عبر الفترات المتلاحقة في ضوء توجهات المنظمة.
كما أن هناك بعض النقاط الرئيسة حول الأيديولوجية الجوهرية:
وهي أنك لا تخلق الأيدلوجية الجوهرية إنما تكتشفها، أن دور الأيدلوجية الجوهرية هو الإرشاد وليس التفرقة بين الشركات، لا يمكن أن يغرس لدى الناس قيمة جوهرية إلا من كان لدية الاستعداد لاعتناقها، تحديد القيم و الغرض الجوهري ليس مجرد تدريب على صياغة الكلمات، إنما جهد منظم في التحليل والتنظيم؛ فلذلك ينبغي التركيز على المضمون والغرض وليس الصياغة، ويجب عدم الخلط بين الأيدلوجية الجوهرية التي تسعى لتحقيق الأهداف وبين الكفاءة الجوهرية التي تصف القدرات.
أما المستقبل المنظور:
 فيُعد المكون الثاني من مكونات إطار الرؤية، ويتكون من آليات التقدم، ووصف دقيق لما ستكون عليه المنظمة بعد تحقق هذه الآليات.
آليات التقدم على مستوى الرؤية:
على الرغم من تعدد الآليات في المنظمات إلا أنه لابد من وجود رؤية واضحة تسير عمل المنظمة، ومن أجل وجود هذه الرؤية يتطلب من القائمين عليها جهدا غير عادي وأهدافا يسعى إلى تحقيقها.
الوصف الحي:
وهو وصف نابض بالحياة، ويعد المكون الثاني من مكونات المستقبل المنظور، ويعتبر ترجمة للرؤية من كلمات إلى صور تستقر في أذهان الناس.
كما أن هناك أيضًا بعض النقاط الأساسية حول المستقبل المنظور:
 وهي الخلط بين الأيديولوجية الجوهرية والمستقبل المنظور، المديرون يجدون صعوبة في الوصول إلى آليات تقدم مثيرة، من غير المعقول تحديد ما إذا كان المستقبل المنظور صحيحا أم لا، عند التفكير في المستقبل المنظور لا بد من الحظر في مرض الكمال الزائف الذي يعتبر كسلًا نتيجة رضا.
تنظيم الأمور:
من أجل تحقيق الترابط بين العمل داخل المؤسسات الكبرى لا بد من معرفة أمرين، هما: تطوير الترابط من أجل التحفيز والحفاظ على الجوهر، والقضاء على حالة عدم الترابط، وتعد العملية الأولى عملية إبداعية، أما الثانية فهي تحليلية.
1563