مدح الإنسان لغيره لتسويقه


روى البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: أنَّ رجلًا ذُكِرَ عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويحك، قطعت عنق صاحبك -يقوله مرارًا- إن كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنَّه كذلك، والله حسيبه، ولا يزكي على الله أحدًا)).

وفي الحديث الآخر: ((قطعتم ظهر الرجل))، وفي صحيح مسلم أيضًا عن همام بن الحارث: أنَّ رجلًا جعل يمدح عثمان، فعمد المقداد، فجثا على ركبتيه -وكان رجلًا ضخمًا-، فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيتم المدَّاحين؛ فاحثوا في وجوههم التراب))، وقال: ((احثوا التراب في وجوه المدّاحين)).

ولكن ليس هذا على إطلاقه؛ فالمعروف من سيرته صلى الله عليه وسلم أنَّه مُدِحَ بالشعر والخطب والمخاطبة، ولم يَحْثُ في وجوه المادحين التراب، ولا أمر من حوله بذلك، كقول أبي طالب:

وأبيضُ يُسْتَسْقَى الغمامُ بوجْهِهِ

ثُمَالَ اليتامى عِصْمَةٌ للأرامل

ومدح العباس وحسان وكعب بن زهير له في شعرهم ذائع الصيت، بل ومدحه هو صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: ((إنَّكم لتقلون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع)).

قال القرطبي : فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه؛ فيدخله في ذلك الإعجاب والكبر، ويظن أنَّه في الحقيقة بتلك المنزلة، فيحمله ذلك على تضييع العمل، وترك الازدياد من الفضل؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ((‏ويحك قطعت عنق صاحبك))‏.‏ وفي الحديث الآخر: ‏((قطعتم ظهر الرجل)) حين وصفوه بما ليس فيه‏.‏

وعلى هذا تأول العلماء قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏((‏احثوا التراب في وجوه المداحين))‏: أنَّ المراد به: المداحون في وجوههم بالباطل، وبما ليس فيهم، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه؛ فأما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود؛ ليكون منه ترغيبًا له في أمثاله، وتحريضًا للناس على الاقتداء به في أشباهه؛ فليس بمداح، وإن كان قد صار مادحًا بما تكلم به من جميل القول فيه. وهذا راجع إلى النيات، قال تعالى: {وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}[البقرة:220] .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث: ((لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله))؛ فمعناه: لا تصفوني بما ليس فيَّ من الصفات؛ تلتمسون بذلك مدحي، كما وصفت النصارى عيسى ابن مريم بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنَّه ابن الله؛ فكفروا بذلك وضلُّوا.

وهذا يقتضي: أنَّ من رفع أمرًا فوق حده، وتجاوز مقداره بما ليس فيه؛ فمعتدٍ آثم؛ لأنَّ ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

قال محمد المباركفوري في تحفة الأحوذي شرح الترمذي: فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن والأمر المحمود يكون منه ترغيبًا له في أمثاله، وتحريضًا للناس على الاقتداء به، فليس بمدَّاح.

وقال النووي : ومدح الإنسان يكون في غيبته وفي وجهه، فالأول: لا يُمنع إلا إذا جازف المادح ودخل في الكذب، فيَحْرُم للكذب لا لكونه مدحًا، ويُستحبُّ ما لا كذب فيه إنْ ترتب عليه مصلحة، ولم يَجُرّ إلى مفسدة، والثاني: قد جاءت أخبار تقتضي إباحته، وأخبار تقتضي منعه، وجُمِعَ (بينهما) بأنَّه: إن كان عند الممدوح كمالُ إيمان وحُسنُ يقين ورياضة، بحيث لا يُفتَنُ ولا يَغترّ ولا تَلعبُ به نفسُهُ؛ فلا يَحْرمُ ولا يُكْرَهُ، وإنْ خيف عليه شيءٌ من ذلك: كُرِهَ مدحه. اهـ

248


كلمات دليلية: