محاذير وتنبيهات تسويقية في تسويق الأشخاص


إظهار الأعمال الصالحة والشرف بالدين والرياسة مزلة أقدام؛ ولذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ))؛ فحرص المرء على المال والشرف أفسد للقلب من فساد ذئب لزريبة غنم، فليحذر المسلم، ولينتبه لنفسه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كثيرًا ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية ما يُفسد عليها تحقيق محبتها وعبوديتها له، وإخلاص دينها، كما قال شداد بن أوس: يا بقايا العرب! إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الرِّياء والشهوة الخفية، قيل لأبى داود السجستانى: وما الشهوة الخفية؟! قال: حُبُّ الرئاسة.

وعن كعب بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ)).

فبيَّنَ: أنَّ الحرص على المال والشرف في فساد الدين لا يَنقصُ عن فساد الذِّئْبَيْنِ الجائعينِ لزريبةِ الغنم، وذلك بَيِّن؛ فإنَّ الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص، وذلك أنَّ القلب إذا ذاقَ حلاوة عبوديته لله ومحبته له؛ لم يكنْ شيءٌ أحبَّ إليه من ذلك حتى يُقدِّمَهُ عليه.

فبعض الناس يعتاد على إظهار عمله الصالح بدون قصد وهدف، والأصل أنْ يعتاد المسلم على إخفاء عمله، وأنْ تكون عادته وطريقته قائمة على إخفاء عمله الصالح، فإن اجتمع فيه إرادته أن يقتدي به الناس وتحقيقه لعبودية قلبه؛ بحيث لا يضره مدح المادح، ولا يؤثر فيه، ولا يفتح أبوابه للشيطان وكان للإظهار مصلحة؛ فلا بأس، وإلا فعمل السر أفضل، قال تعالى: {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير}[البقرة:271].

وينبغي التأكيد على المسلم أنَّه مهما أظهر من العمل الصالح، فإنَّه ينبغي أن يكون له أعمال سر بينه وبين ربه، لا يطلع عليها غير ربه وإلهه وسيده وخالقه ومولاه، يرجو ثوابها منه وحده، فهذه الأعمال مهما كانت صغيرة فثمارها وأجرها كبير، ومثل هذه الأعمال لها أثرها على قلب صاحبها، كما لها أثرها في علاقة الإنسان بربه، وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ((وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ))، ومما روي: أنَّ المسيح ابن مريم قال: ((إذا كان يوم صوم أحدكم؛ فليدهن لحيته، ويمسح شفتيه حتى يخرج إلى الناس فيقولون: ليس بصائم)).

ومرجع أكثر هذه القضايا إلى أعمال القلوب، قال تعالى: {فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيم}[آل عمران:174]، وقال -أيضًا-: {وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}[البقرة:220].

والقلوب محل نظر الله -سبحانه-، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)).

بل القلب هو الملك الذي يقود باقي الجنود، كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير: ((ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)).

ولذا ينبغي أولًا لكل من يسعى لتسويق نفسه أن يبدأ بإصلاح قلبه وتعبيده لله، وأن يكون همه وإرادته متوجهة لله وحده، لا يريد إلا إياه، وعند ذلك يصبح التسويق جائزًا للنفس إن لم يكن مندوبًا أو واجبًا عليه، وعند ذلك لا ينفعه مدحُ مادح، ولا يضره قدح قادح، ولا تشغله رياسة، فهو أعرف بنفسه، ولا يريد إلا مرضاةَ ربه، يرى الرئاسة تكليفًا لا تشريفًا، بل قد يتمنى كما تمنَّى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن يخرج من الخلافة لا له ولا عليه؛ لا أجر ولا وِزْرَ، مع أنَّه أحد العشرة، وثاني الخلفاء الراشدين، وهو الذي فتح الفتوح، وفَعَلَ وَفَعَلَ، لكن من يتعامل مع الله له شأن مع قلبه يختلف عمَّن قلبُهُ متعلقٌ بإرادة الرئاسة أو الوجاهة، فهو متعلق بالدنيا وزينتها، همه التسميع والمراءاة؛ لذا يُقال لأمثال هؤلاء ما قاله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ به، ومَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ))، ((وإِنَّا لا نولي هذا الأمر مَنْ سأله أو حَرَصَ عليه)).

أمَّا مَنْ وَحَّدَ الله بقلبه، ولم يُشْرِكْ معه غيره، ولم تكن نفسه تتطلع للرياسةِ ولا لمدح الناس، وكان همّه الإصلاح ونفع المسلمين، فلمثل هؤلاء يُقال: طَلَبُكم للرياسة تُثابُونَ عليه، والوصول إلى ذلك -مع العدل والإخلاص والإحسان- وصول للرتب العالية؛ ولذا عقَّبَ الله على دعائهم بقوله: {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَمًا. خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان : 75-76]. نسأل الله أن نكون جميعًا من هؤلاء.

345


كلمات دليلية: