قول يوسف عليه السلام ( اجعلني على خزائن الأرض): هل هو تسويق؟


ملحق: أقوال في قول يوسف -عليه الصلاة والسلام-: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم}[يوسف:55]:

تضمن قول يوسف -عليه السلام- طلبًا للولاية، وذِكْرًا لقدراته، ومدحًا لها؛ ولذا اختلف كثيرًا في ذلك أهلُ العلم، ومن جميل ما قِيلَ في ذلك: ما قاله القرطبي: ودلَّت الآية -أيضًا- على جواز أن يطلب الإنسان عملًا يكون له أهلًا؛ فإن قيل: فقد روى مسلم عن عبدالرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنَّك إن أُعْطِيتَها عن غيرِ مسألةٍ أُعِنْتَ عليها، وإن أُعْطِيتَها عن مسألة وُكِلْتَ إليها)).

وعن أبي بَرَدَةَ قال: قال أبو موسى: أقبلتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يَستاك، فقال: ((ما تقولُ يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيس-))، قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنَّهما يطلبان العمل، قال: وكأنَّي أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت، فقال: ((لن -أو- لا نستعمل على عملنا مَنْ أراده...))، وذكر الحديث، وغير ذلك من الأحاديث.

فالجواب:

أولًا: أنَّ يوسف -عليه السلام- إنَّما طلب الولاية؛ لأنَّه علم أنَّه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم، فرأى أنَّ ذلك فرضٌ مُتعَيَّنٌ عليه؛ فإنَّه لم يكن هناك غيره.

وهكذا الحكم اليوم، لو علم إنسان من نفسه أنَّه يقوم بالحقِّ في القضاء أو الحسبة، ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامَهُ؛ لتعيَّنَ ذلك عليه، ووجب أنَّ يتولاها، ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف -عليه السلام- فأمَّا لو كان هناك من يقوم بها ويَصْلحُ لها وعلم بذلك؛ فالأولى ألا يطلب؛ لقوله -عليه السلام- لعبدالرحمن بن سمرة: ((لا تسألِ الإمارةَ..)).

وأيضًا فإنَّ في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليلًا على أنَّه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسُهُ فيهلك؛ وهذا معنى قوله -عليه السلام-: ((وُكِّلَ إليها))، ومن أباها؛ لعلمه بآفاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها فرَّ منها، ثم إن ابتلي بها فيُرْجَى له التخلص منها، وهو معنى قوله: ((أُعِينَ عليها)).

الثاني: أنَّه لم يقل: إنِّي حسيب كريم، وإن كان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ الْكَرِيمَ ابْنَ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ))، ولا قال: إنِّي جميل مليح، إنَّما قال: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم}[يوسف:55]، فسألها بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجَمال.

الثالث: إنَّما قال ذلك عند من لا يعرفه؛ فأراد تعريف نفسه، وصار بذلك مستثنى من قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}[النجم:32].

الرابع: أنَّه رأى ذلك فرضًا مُتعيَّنًا عليه؛ لأنَّه لم يكن هنالك غيرَهُ، وهو الأظهر، والله أعلم.

وقال ابن الجوزي: فإن قِيلَ: كيف مدحَ نفسَهُ بهذا القول، ومن شأن الأنبياء والصالحين التواضع؟

فالجواب: أنَّه لما خلا مدحه لنفسه من بَغْيٍ وتكبُّر، وكان مراده به الوصول إلى حقٍّ يُقيمُهُ، وعدلٍ يُحييه، وجَوْرٍ يُبطلُهُ: كان ذلك جميلًا جائزًا، وقد قال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: ((أنا أكرمُ ولد آدم على ربه)).

وقال عليُّ بنُ أبي طالب -رضي الله عنه-: ((والله ما من آيةٍ إلا وأنا أعلمُ أبليلٍ نَزَلَتْ أمْ بنهار))، وقال ابن مسعود: ((والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل؛ لركبت إليه)).

فهذه الأشياء خَرَجَتْ مَخْرجَ الشكر لله، وتعريف المُستفيد ما عند المُفيد، ذَكَرَ هذا محمدُ بن القاسم، قال القاضي أبو يعلى: في قصة يوسف -عليه السلام- دلالة على أنَّه يجوز للإنسان أن يَصِفَ نفسه بالفضل عَنْدَ من لا يعرفه، وأنَّه ليس من المحظور (الوارد) في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}[النجم:32] .

151


كلمات دليلية: