فضل التواضع والخفاء وخمول الذكر


فضل التواضع والخفاء وخمول الذكر، والنَّهي عن سؤال الإمارة أو الحرص عليها، واختيار ترك الولايات إذا لم تتعين على الشخص، أو تدع حاجة إليها:

قال تعالى:  {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين}[القصص:83].

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أَتَتْكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أَتَتْكَ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا)) ، قال النووي: وفي هذا الحديث فوائد منها:

- كراهة سؤال الولاية، سواء ولاية الإمارة والقضاء والحِسْبة وغيرها.

- ومنها: بيان أنَّ من سأل الولاية لا يكون معه إعانة من الله تعالى، ولا تكون فيه كفاية لذلك العمل، فينبغي أن لا يُولَّى من يطلب الولاية. اهـ

وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإنَّي أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولّينَّ مال يتيم)) .

وعنه قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي، ثم قال: ((يا أبا ذر! إنِّك ضعيف وإنَّها أمانة، وإنَّها يوم القيامة خزي وندامة؛ إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها)).

قال الحافظ ابن حجر: قال النووي: هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية، ولاسيما لمن كان فيه ضعف، وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل؛ فإنًّه يندم على ما فَرَطَ منه إذا جُوزي بالخزي يوم القيامة، وأمَّا من كان أهلًا وعدلًا فيها؛ فأجره عظيم، كما تظاهرت به الأخبار، ولكن في الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها، والله أعلم. اهـ .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة)).

وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله، أَمِّرْنا على بعض ما ولاك الله عز وجل، وقال الآخر مِثْلَ ذلك، فقال: ((إنَّا والله لا نُولِّي هذا العمل أحدًا سأله أو أحدًا حَرَصَ عليه)).

قال ابن حجر عن الحديث: وظاهر الحديث منع تولية مَنْ يحرص على الولاية، إمَّا على سبيل التحريم أو الكراهة، وإلى التحريم جَنَحَ القرطبيُّ، ولكن يُستثنى من ذلك مَنْ تَعَيَّنَ عليه . اهـ

وقال صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بأهل الجنة ؟ كل ضعيف مُتَضَعِّف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار ؟ كل عُتُلٍّ جَوَّاظٍٍ مُستكبر)).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ إِنَّ يُحِبُّ اللَّهَ الْأَبْرَارَ الْأَتْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ)).

ولقد كثر حديث السلف عن ذلك؛ فعن علي -رضي الله عنه- قال: لا تبدأ لأن تَشتهر، ولا ترفع شخصك لتُذْكر، وتعلَّمْ، واكتم، واصمت تَسْلَمْ، وتَسُرّ الأبرارَ، وتغيظُ الفُجَّار)، وقال إبراهيم بن أدهم -رحمه الله-: (ما صَدَقَ اللهَ مَنْ أحبَّ الشهرة)، وقال أيوب: (ما صَدَقَ اللهَ عبدٌ إلا سَرَّهُ أن لا يَشعرَ بمكانه)، وقال محمد بن العلاء: (مَنْ أحبَّ الله أحبَّ أن لا يَعرفَهُ الناس)، قال الفُضَيْلُ: (إن استطعتَ ألا تُعْرفَ فافعلْ، وما عليك ألا يُثنى عليك، وما عليك أن تكون مذمومًا عند الناس، محمودًا عند الله)، ولما رأى طلحة قومًا يمشون معه فقال: (ذُبابُ طمع، وفِراشُ النار)، وقال حماد بن زيد: كنا إذا مررنا على المجلس ومعنا أيوب فسلَّمَ؛ رَدُّوا رَدًّا شديدًا، فكان ذلك يَغمُّهُ.

 

141


كلمات دليلية: