صفات المسوِّق الجيِّد


تعرفُ البشرية كمالاً في الأخلاق ولا في الصفات يُداني أو يشابه أو يماثل كماله -صلى الله عليه وسلم- في صفاته وأخلاقه وأدبه وتقواه وورعه وخوفه من خالقه -سبحانه-، وكلَُّ حديثٍ عن صفاته -صلى الله عليه وسلم- إنما هو حديث عن قطرات في بحر خُلقه، وكيف لا يكون كذلك، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «أدبني ربي؛ فأحسن تأديبي». «سنن ابن ماجه».

فلننظر ونتأمل في قبساتٍ بسيطة مقتضبة من صفاته -عليه الصلاة والسلام- التي جعلته ولاشك أعظم من يمكن أن يسوِّق الأفكار للبشرية، فمن هذه القبسات على سبيل المثال:

حُسن الخُلق:

فقد وصفه ربه -سبحانه وتعالى- بمعالي الأخلاق وأكرمها وزينها بالعظمة، فقال عنه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم}[القلم:4].

وكما ثبت في «الصحيحين»: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، قال: «خدمتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين، فما قال لي: أفٍ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟ وكان -صلى الله عليه وسلم- أحسنُ الناس خلقاً».

وحسن الخلق يفتح في قلوب وعقول من يُسوق لهم وينير لهم نفوسهم ما لا يمكن أن تفتحه أقوى القنابل وأعتى الجيوش.

الصدق:

عُرف النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في الجاهلية وقبل بعثته بالصدق، فكان يُلقَّب -عليه الصلاة والسلام- بـ «الصادق الأمين» في قومه، وبين عشيرته، ولم يُعرف عنه كذباً قط.

ولذا لما سأل هرقل أبو سفيان عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: هل عهدتم عليه كذباً قط..؟ قال: لا، وفي بداية الدعوة الجهرية قال-صلى الله عليه وسلم- لقريش: «‏أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي بسَفْح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، ما جربنا عليك كذبًا، ما جربنا عليك إلا صدقًا‏، فقال‏ -صلى الله عليه وسلم-:‏ ‏‏إني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد». «صحيح البخاري».

وكلما اشتُهر المسوق بصدقه بين الناس ومعاملته الحسنة كلما كان لكلامه وقع وأثر أكبر في القلوب، وكلما عُرف عنه الكذب، أو حتى لو شُك في مصداقية كلامه سيكون وقع تسويقه أضعف -هذا إن كان له أي أثر-.

الشجاعة:

 كان النبي -صلى الله عليه وسلم- من أشجع الناس وأقواهم وأشدِّهم صلابة، وكلُّ من أراد أن يسوِّق أفكاراً وينجح فيها لا بد أن يكون شجاعاً، فقد واجه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- المجتمع كله بدين جديد، وتسفيه للأصنام التي كانت آلهة لديهم، ولم يخف -عليه الصلاة والسلام- من تكذيبه، أو من قتله، أو من إيذائه؛ فقد كان -صلى الله عليه وسلم- أكبر وأشجع وأعلى وأسمى من ذلك، بل كان -صلى الله عليه وسلم- يقاتل حتى إنه إذا اشتدت المعركة وحمي الوطيس وتطايرت الرقاب احتمى أصحابه به -صلى الله عليه وسلم- -على شجاعتهم وشدة بأسهم وصلابتهم-، بل كان يصرخ في المعركة التي هو مستهدف فيها بأعلى صوته بلا وجل ولا خوف بكل ثقة وعزيمة وفخر، قائلاً:

«أنا النبي لا كذب      أنا ابن عبد المطلب».

صحيح البخاري.

يقول عنه خادمه أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: لم تراعوا لم تراعوا...». صحيح البخاري»

وكانت شجاعته -صلى الله عليه وسلم- لا توصف؛ فهو أشجع الناس على الإطلاق، حتى أنه من شجاعته وإقدامه وثقته بربه -سبحانه وتعالى- واجه وأعلن أفكاره ومبادئه التي يدعو لها ويعيش من أجلها، فلم يخجل منها، أو لم يستخف بها، بل علَّم القريب قبل البعيد أن هذه هي القضية التي يعيش من أجلها، ولن يُثنيه عنها أيُّ شيء أبداً.

القناعة الكاملة:

كان -صلى الله عليه وسلم- يحملُ همَّ الدعوة إلى الله -تعالى- على عاتقة بقناعة وإصرار كامل، حتى أنه همَّ وفكَّر أن يقتل نفسه، وذلك خوفاً على أمته، ولحزنه -صلى الله عليه وسلم- لفوات الخير عنهم، فأنزل الله -سبحانه وتعالى- مخاطباً نبيه: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}[الكهف:6]؛ أي مجهدٌ نفسك، أو مضعفها، أو مُهلكها على فراقهم ومن بعد توليهم وإعراضهم، ولقد عاتبه ربه فقال له: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِين}[الأنعام:35] ؛ أي: إن كان عظم عليك يا محمد إعراض هؤلاء المشركين عنك وانصرافهم عن تصديقك فيما جئتهم به من الحق الذي بعثتك به، فشق ذلك عليك، ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ}[الأنعام:35] يقول: فإن استطعت أن تتخذ سربا في الأرض؛ فتذهب فيه { أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء}[الأنعام:35]يقول: أو مصعداً تصعد فيه كالدرج وما أشبهها. تفسير الطبري (5/182).

ولما جاءت قريش إلى أبي طالب، فقالوا: أرأيت أحمد؟ يؤذينا في نادينا وفي مسجدنا؛ فانهه عن أذانا، فقال -صلى الله عليه وسلم-:«ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك على أن تشعلوا لي منها شعلة -يعني: الشمس-» رواه أبو يعلى والبزار.

ولما ضغط عليه عمه أبو طالب استجابة لطلب قريش بأن يُسلموا عامًا ويكفر عامًا، قال -صلى الله عليه وسلم- لعمه: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته، ولو أن أهلك دونه». «السيرة لابن إسحاق».

وعاش النبي -صلى الله عليه وسلم- بقناعة راسخة يستمد الصبر عليها من الله -سبحانه وتعالى- أنَّ دين الله منصور وغالب، وأن التمكين لهذا الدين، وأن الغلبة والقهر للمسلمين.

واستمر -صلى الله عليه وسلم- بالعمل الدؤوب لهذه القناعة حتى حَطَمه الناس كما تقول عائشة -رضي الله عنها- عندما سُألت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «هل كان يصلي قاعداً؟ قالت: نعم، بعدما حطمه الناس». «صحيح مسلم»؛ أي: لما حمله من أمورهم وأثقالهم والاعتناء بمصالحهم صيروه شيخاً محطوماً، والحطم: كسرُ الشيء اليابس. «صحيح مسلم».

يعرف ما يريد:

كان -صلى الله عليه وسلم- يعرف ما يريد أن ينشره بين الناس، ويعرفُ الطريق إلى ذلك معرفةً دقيقة، فلم يكن -صلى الله عليه وسلم- يريد الملك، أو الرياسة، أو السلطة، ولو أرادها؛ لظفر بها، ولكن حاشاه ذلك، وإلا لما كان ما فعله هو الطريق الصحيح لذلك، فقد كان-صلى الله عليه وسلم- يستطيع أن يُعلنها ثورة اقتصادية، أو أخلاقية، أو اجتماعية، ثم بعد أن يستتب له الأمر يقول للناس: قولوا: لا إله إلا الله، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- اختار الطريق الذي قد يبدو أصعب وأشق عليه، واختار الطريق الذي قد يبدو أطول، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- يعرف أن هذا هو الطريق الموصل إلى الله، والمنجي من عقابه، ولو صعب وطال، وكان -صلى الله عليه وسلم- يعرف أن هذا الطريق هو الطريق الصعب، ولكنه على يقين بأنه هو الطريق الموصل لتعبيد الناس لله -رب العالمين-، لا ليصل للملك، أو الرياسة، أو غير ذلك، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يعرف ما يريده حقيقة.

159