الممارسات التسويقية النبوية:


سنحاول في السطور التالية تسليط الضوء على شيء من الممارسات التسويقية النبوية:

المنتج:

كان -صلى الله عليه وسلم- يُسوق ويدعو لدينٍ رباني من عند الله، ولم يكن -عليه الصلاة والسلام- هو الذي أنشأه أو ابتكره، فما هو-صلى الله عليه وسلم- إلا عبدٌ لله، خاضعٌ ذليل له، ومع ذلك؛ فقد كان -صلى الله عليه وسلم- عالماً بما يدعو إليه، عارفاً به، حريصاً في الدعوة إليه؛ كما قال الله -سبحانه وتعالى-: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم}[التوبة:128]، ولأهمية المنتج في تسويقه -صلى الله عليه وسلم- نذكر النقاط التالية:

وضوح المنتج وجلاؤه:

كان ما يدعو إليه -صلى الله عليه وسلم- واضحاً معروفاً لديه -صلى الله عليه وسلم-، ولدى كل من الأتباع، بل حتى والأعداء منهم، وانظر إن شئت ما يقوله عنه عدوه في ذلك الوقت أبو سفيان -رضي الله عنه- قبل أن يُسلم في بداية الدعوة عندما سأله هرقل، وكذلك ما يقوله جعفر بن أبي طالب للنجاشي في الحبشة وهو من الوفد الذين هاجروا بداية الدعوة إلى الحبشة هرباً بدينهم، وسيندهش القارئ لقولهما، وما فيهما من تشابه بل وتطابق في الأفكار التي ينقلونها عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان ما يدعوا له -صلى الله عليه وسلم- واضحاً بيّناً جلياً، لا غموض فيه لدى أحد، فلننتقل إلى أقوالهم كما جاءت في الروايات الصحيحة الثابتة عنه -عليه الصلاة والسلام-:

روي البخاري عن ابن عباس: أن أبا سفيان بن حرب قال لهرقل عن دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- في قصة طويلة: إنه يقول‏:«‏اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم‏‏، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة».

وفي الحبشة يقول جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- وكان هو المتكلم عن المسلمين لما سأله النجاشي‏:‏ فقال: أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوى الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام..»؛ فعدد عليه أمور الإسلام.

الثبات والإصرار في تسويق نفس المنتج:

ولا ننسى موقفه -صلى الله عليه وسلم- لما جاءت قريش إلى أبي طالب، فقالوا: أرأيت أحمد؟ يؤذينا في نادينا وفي مسجدنا؛ فانهه عن أذانا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك على أن تشعلوا لي منها شعلة -يعني: الشمس-»، رواه أبو يعلى والبزار.

ولما ضغط عليه عمه أبو طالب استجابة لطلب قريش بأن يُسلموا عامًا ويكفر عامًا، قال -صلى الله عليه وسلم- لعمه: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته، ولو أن أهلك دونه». السيرة لابن اسحاق.

بل خاطبه ربه، فقال -تعالى-: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا. إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: ٧٤-٧٥]؛أي:«ولولا أن ثبتناك» على الحق، وامتننا عليك بعدم الإجابة لداعيهم. «لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلاً» من كثرة المعالجة، ومحبتك لهدايتهم: «إذا» لو ركنت إليهم بما يهوون «لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات»؛ أي: لأصبناك بعذاب مضاعف في الدنيا والآخرة، وذلك لكمال نعمة الله عليك، وكمال معرفتك: «ثم لا تجد لك علينا نصيرا» ينقذك مما يحل بك من العذاب، ولكن الله تعالى عصمك من أسباب الشر، ومن الشر، فثبتك وهداك الصراط المستقيم، ولم تركن إليهم بوجه من الوجوه، فله عليك أتم نعمة، وأبلغ منحة. تفسير السعدي.

تأكيده -صلى الله عليه وسلم- على المنافع لا على الأفكار نفسها:

فكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: «كلمة واحدة تدين لهم العرب، وتؤدي لهم العجم». «سنن الترمذي»، وقال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث؛ فإما أن يعجل له دعوته، وإما أن يؤخرها له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه، أو يكف عنه من السوء مثلها». «مسند أحمد».

ويقول -عليه الصلاة والسلام-: «من صلى عليَّ صلاة واحدة صلَّى الله له بها عشراً». «صحيح مسلم».

ويقول -أيضاً- عليه الصلاة والسلام-: «من ضم يتيماً بين أبويه؛ فله الجنة ألبته». «مسند أحمد».

ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من عال ثلاث بنات؛ فأدبهن، ورحمهن، وأحسن إليهن؛ فله الجنة». «مسند أحمد».

السعر:

السعر واضح ومكرر كما في أحاديثه -صلى الله عليه وسلم-، وفي كتاب الله -سبحانه وتعالى-: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}[التوبة:111]؛ فهو بيع وشراء له سعر محدَّد لتسويق أفكار ومعتقدات محدَّدة.

وكان -عليه الصلاة والسلام- يقول -أحياناً- لصحابته الكرام: «من يفعل كذا؛ فله الجنة»؛ كما روى أنس بن مالك: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه، قال: «من يردهم عنا وله الجنة...»الحديث. «صحيح مسلم».

ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم- -أيضاً-: «من قتل قتيلًا له عليه بينة؛ فله سلبه». «صحيح البخاري» .. إلى آخره من التحديد لأسعار بيع وتسويق في القضايا.

المكان:

بُعث -صلى الله عليه وسلم- في خير البقاع وأحب البقاع إليه -عليه الصلاة والسلام-، وهي (مكة المكرمة)، ولما هاجر منها -صلى الله عليه وسلم- وخرج التفت إليها قائلاً: «ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك». رواه الترمذي، وصححه الألباني.

ولكنَّ مصلحة دعوته جعلته -صلى الله عليه وسلم- يُقرر أن يختار المكان الأنسب للدعوة، فبدأ -صلى الله عليه وسلم- بإرسال بعض الصحابة إلى الحبشة، وبإرسال الرسل إلى المناطق الأخرى، ثم هاجر -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، وهاجر معه بعضٌ من أصحابه، وبدأ بإرسال الوفود والدعاة إلى المناطق ووزعهم فيها؛ ليسوقوا منهج الله -سبحانه وتعالى-، وينشروه بين الناس، بل كان -صلى الله عليه وسلم- يختار المناطق التي يرسل إليها ويحددها ويختارها بنفسه -عليه الصلاة والسلام-.

الترويج:

كان -صلى الله عليه وسلم- يبذل كل ما في وسعه لنشر هذا الدين وتسويقه وترويجه بين الناس من بداية الدعوة حتى توفاه الله، لا يكِلُّ ولا يمل، بل كان يستخدم لذلك كل ما أوتي من قوة وطاقة وجهد ووقتٍ ومال، واستمر على ذلك طوال حياته، وإحصاء ما فعله-صلى الله عليه وسلم- من أجل الترويج للدعوة من المستحيلات، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يدعو ويجتهد حتى حَطمه الناس كما قالت عائشة -رضي الله عنها- كما سبق.

ولنأخذ قبسات من ترويجه -صلى الله عليه وسلم- لدعوته ولدين الله بعد أن استعصت عليه مكة حتى هجرته -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، وهي من أحلك فترات الدعوة؛ لنرى ونتعلم ونستفيد ونفهم كيف يكون ترويج مسوقي الأفكار لأفكارهم، وكيف يتفانون لفتح أسواق جديدة، ولا يكلُّوا حتى يسوقوا لأفكارهم، فمن هذه القبسات ما يلي :

خروجه -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف:

لما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- إعراض قريش بل وحربها له وللدين الذي بعث به: خرج -صلى الله عليه وسلم- للطائف ماشياً على قدميه الشريفتين، ودعاهم للإسلام، فلم تجبه أي قبيلة، بل ردوه أسوء رد حتى قال له بعضهم: «أما وجد الله أحداً غيرك يرسله»، ومع ذلك استمر يدعو شرفاء وأعيان ومشايخ الطائف بلا كلل أو ملل، حتى أمروه بالخروج، وأغروا صبيانهم به -عليه الصلاة والسلام-، فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، فوقفوا له سِمَاطَيْن -‏‏أي صفين-،‏‏ وجعلوا يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه، حتى اختضب نعلاه بالدماء، ولم يثنه ذلك أبداً عن الترويج لدعوته، أو النكوص، أو التراجع، أو اليأس من إصلاحهم وهدايتهم -عليه الصلاة والسلام-.

عَرْضه -صلى الله عليه وسلم- نفسه على القبائل:

لما عاد النبي -صلى الله عليه وسلم- من الطائف، وقد وجد من أهلها ما وجد، ولم يثنه ذلك عن متابعة دعوته -صلى الله عليه وسلم-؛ فبدأ يعرض نفسه على القبائل القادمة لموسم الحج، فدعا القبائل وعرض نفسه عليهم، حتى عرض نفسه -صلى الله عليه وسلم- على بني عامر بن صَعْصَعَة، ومُحَارِب بن خَصَفَة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعَبْس، وبني نصر، وبني البَكَّاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعُذْرَة، والحضارمة؛ فلم يستجب منهم أحد‏، واستجاب له بعض أهل المدينة من الأوس والخزرج، فبايعهم -صلى الله عليه وسلم- بيعتين.

إرسال مصعب بن عمير لدعوة أهل المدينة:

بعد استجابة بعض أهل المدينة أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم سفيراً عنه، وهو مصعب بن عمير -وهو أول سفير في الإسلام-، وذلك من أجل أن يعلم الناس، ويدعو إلى الله، و... إلخ.

وانظر -إن شئت- لغزواته وسراياه -عليه الصلاة والسلام- لتعرف كيف بذل حياته -صلى الله عليه وسلم- لتبليغ دين الله، واقرأ -إن شئت- مكاتباته -صلى الله عليه وسلم- لتعرف همته ودرايته وذكائه وفطنته وسياسته وحنكته لتسويق الأفكار، وتأمل إن شئت في الوفود التي كان يقابلها -صلى الله عليه وسلم-؛ لتتعرف كيف تروج الأفكار بطريقة جميلة وصائبة وعبقرية فذة لا مثيل لها في التاريخ .

الناس:

ربى النبي -صلى الله عليه وسلم- أتباعه ليكونوا دعاة إلى الله بأقوالهم وأفعالهم، بل رباهم -عليه الصلاة والسلام- ليعيشوا من أجل هذا الدين، يذودون عنه، ويعلِّمونه، وينشرونه للناس، فكانوا -رضوان الله عليهم- خير سفراء لنشر هذا الدين وتسويقه بين الناس، وكان -صلى الله عليه وسلم- يعرف أهمية أصحابه وفضلهم، ولهذا كان -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا تسبوا أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». «صحيح البخاري».

ولما وصف الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة والنبوة: عرَّج بمدح أصحابه، فقال -تعالى-: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}[الفتح:29].

وكان -صلى الله عليه وسلم- حريصاً على أتباعه والناس الذين حوله؛ لأنهم هم الناس الذين سينشرون الدين بعده ويسوقون أفكاره، ولذا لما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل بدر أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:«تؤمن بالله ورسوله؟»، قال: لا، قال: «فارجع؛ فلن أستعين بمشرك».

قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال أول مرة، قال: «فارجع؛ فلن أستعين بمشرك»، قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: «تؤمن بالله ورسوله؟»، قال: نعم، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فانطلق». «صحيح مسلم».

العمليات:

كان -صلى الله عليه وسلم- يُعلم أصحابه والناس المحيطين به كل الإجراءات والعمليات التي يحتاجونها لتسويق دعوة ربهم -جل جلاله-، ولما بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذ بن جبل -رضي الله عنه- إلى اليمن، قال: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله، فإذا عرفوا الله؛ فأخبرهم: أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا؛ فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم، وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها؛ فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس».«صحيح البخاري».

ونلاحظ في تعليمات النبي -صلى الله عليه وسلم- وضوح العمليات ودقتها، وهو ليس خاص بحادثة معينة بقدر ما هو منهج النبي-صلى الله عليه وسلم-، بل كان الصحابة -رضوان الله عليهم - يعرفون العمليات، ولو لم ينص عليها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذلك عن طريق اقتدائهم به، ومعرفتهم بحاله.

الدليلُ الحسي: فقد وضع الإسلام علامات مادية ملموسة واضحة على كثير من القضايا، فلا يدخل في الإسلام من لم يتلفظ بالشهادتين مثلاً، وجعل الشارع لأركان الإسلام دلائل واضحة ملموسة.

معرفة البيئة:

وتأمل معي في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- لما بعثه إلى اليمن: «إنك تأت قوماً من أهل كتاب»، فكأنه -صلى الله عليه وسلم- يقول له: تهيئ لهذه البيئة وتجهَّز، ولما ضاق على النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام ما يجدونه عندما كانوا في مكة: أمرهم أن يهاجروا إلى الحبشة، ثم قال لهم: «إن فيها ملِكاً لا يُظلم الناس عنده»، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يعرف ذلك عن ملك الحبشة على بعده، بل كان -صلى الله عليه وسلم- عندما يُرسل الرسل يُرسل لكل قوم من يناسبهم، ومن يكون أفضل في توصيل الحق إليهم، وعندما كان يكتب الكتب ويرسلها -صلى الله عليه وسلم- كانت كتاباته متشابهة من حيث هي عن دين واحد، وعقيدة واحدة ومختلفة من حيث البيئات التي ترسل لها، فكان -صلى الله عليه وسلم- يرسل لكل قوم ما يناسبهم حسب بيئتهم.

مراعاة النفسيات:

كان -صلى الله عليه وسلم- من أعرف الناس بأصحابه وبالناس عامة، فلما جاءه أبو بصير مهاجراً بعد صُلح الحديبية الذي ينص على إرجاع من جاء مسلماً، قال له -صلى الله عليه وسلم-: «ويلَ أمه مُسعر حربٍ لو كان له أحد». «صحيح البخاري»؛ فكان كما قال-صلى الله عليه وسلم-.

ولما كان -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية، وكانت قريش ترسل له، فلما أرسل الحُليس بن علقمة، قال -صلى الله عليه وسلم-: «هذا من قوم يُعظمون البدن؛ فابعثوها، واستقبله الناس وهم يُلبون -فسوَّق النبي -صلى الله عليه وسلم- ما أراد بذلك- إذ رجع الرَّجل إلى قومه، فقال‏:‏ رأيتُ البُدن قد قُلدت وأشعرت، وما أرى أن يصدوا». «صحيح ابن حبان» بإسناد صحيح.

ولما أرسلت قريش سهيل بن عمرو، قال -صلى الله عليه وسلم-: ‏«‏هذا سهيل قد سهل لكم أمركم». «صحيح ابن حبان»‏، فأراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، لذلك فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يعرف الرجال ونفسياتهم وطبائعهم.

ولما كان يوم الفتح قال -صلى الله عليه وسلم-: «من دخل دار أبي سفيان؛ فهو آمن». «صحيح مسلم»، مع أنه -أيضاً- من دخل داره؛ فهو آمن، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- أراد أن يُعطي أبا سفيان منزلة خاصة، لعلمه أن أبا سفيان رجلٌ يحب الفخر كما أخبره العباس عمّ النبي -صلى الله عليه وسلم-، ورضي الله عنه.

بل كان هذا هو هديه -صلى الله عليه وسلم- في التعامل، وهذه هي سجيته، فكان أعرف الناس بالناس، وأرحم الناس بالناس، وأرأف الناس بالناس، ولذلك لما بال الأعرابي في المسجد وأراد بعض الصحابة أن ينهروه ويعاقبوه، قال لهم -صلى الله عليه وسلم-: «لا تنهروه»، أو: «لا تزرموه». «صحيح البخاري».

ثم قال للأعرابي: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من القاذورات»، والحديث في جانب معرفته -صلى الله عليه وسلم- لنفسيات أصحابه يطول ذكره، وإنما أردنا أن نشير إشارة بسيطة لذلك.

النبي -صلى الله عليه وسلم- والإعلام:

استخدم النبي -صلى الله عليه وسلم- كل الوسائل الإعلامية المتاحة في عصره، فعرض نفسه الشريفة على القبائل، واستخدم الشعر؛ فكان شاعره حسان بن ثابت -رضي الله عنه- وغيره، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضع لحسان منبراً في المسجد، فيقوم عليه يهجو من قال في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ روح القدس مع حسان، ما نافح عن رسول الله». «سنن أبي داوود».

وحث النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس على الكلام الحسن، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «والكلمة الطيبة صدقة». متفق عليه.

وكاتب النبي -صلى الله عليه وسلم- وراسل الملوك والرؤساء، وطلب من بعض أصحابه تعلم اللغات. رواه أحمد، والترمذي.

من أجل ذلك، بل كان -صلى الله عليه وسلم- يُعد الكلمة الطيبة من أسباب الرفعة في الآخرة، وحث الناس -صلى الله عليه وسلم- على استخدام كل الوسائل المشروعة لتسويق الدعوة ونشرها بين الناس، والصبر على ذلك، ووعد بالأجر الجزيل والمثوبة على ذلك، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «من دلَّ على خير؛ فله مثلُ أجر فاعله». «صحيح مسلم».

إدارة تسويقية:

أدار النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته خير إدارة، وكانت إدارته -عليه الصلاة والسلام- بما يوصل دعوته للبشرية جمعاء، وبما يوصل الأفكار التي يريد أن يوصلها للناس، وربما بدت بعض التصرفات أنه -صلى الله عليه وسلم- اختار الطريق الأصعب، إلا أنه-صلى الله عليه وسلم- كان يُدير القضايا بطريقة توصل لتسويق ما يريده، والحديث في ذلك قد يطول، ولمزيد من التوضيح يمكن أن نضرب مثالين:

الأول: لماذا أختار النبي -صلى الله عليه وسلم- الطريق الذي قد يبدو أنه الأصعب بأن قال من بداية دعوته -صلى الله عليه وسلم- للناس، قال لهم: «قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا؟». «مسند أحمد».

كان يمكن أن يبدأ -صلى الله عليه وسلم- بثورة أخلاقية على العادات المنافية للأخلاق أولاً، وعند ذلك سيتبعه كثير من الناس من بداية الدعوة، كما كان بإمكانه -صلى الله عليه وسلم- أن يعلنها ثورة اجتماعية على الطبقية التي يرزح فيها المجتمع، أو ثورة اقتصادية، أو غير ذلك..، إلا أنه ربما بدا أن هذا الطريق أسهل، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- يعلم أن هذا الطريق -الذي يبدو أصعب- أضمن للوصول لقضية مهمة، ألا وهي: العبودية الحقة لله رب العالمين، ولو بدا أن الطريق أطول وأصعب وأشق إلا أنه هو الطريق الوحيد الذي يوصل لتسويق القضية التي بُعث من أجلها -عليه الصلاة والسلام-.

طريقة إدارته -صلى الله عليه وسلم- ليضع الخليفة من بعده! لم يُحدِّد النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الخليفة من بعده بنص واضح ومباشر، ولذا دار النقاش بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- في من يتولى الخلافة من بعده، إلا أنه -صلى الله عليه وسلم- كان في إدارته لأصحابه يدلهم ويوضح لهم من الخليفة الذي سيكون بعده، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن من أمنِّ الناس عليَّ في صحبته وماله: أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي؛ لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سُدَّ إلا باب أبي بكر». «صحيح البخاري».

وقال -أيضاً- عليه الصلاة والسلام-: «لو كنتُ متخذاً من أمتي خليلاً؛ لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي». «صحيح البخاري».

ولما أتت امرأة النبي -صلى الله عليه وسلم-: فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ كأنها تقول: الموت، قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن لم تجديني؛ فأت أبا بكر». «صحيح البخاري».

وكان يُخبر أنه أحبُّ الرجال إليه -صلى الله عليه وسلم-. «صحيح البخاري».

ومما يدلُّ على أن الفكرة أصبحت واضحة في أذهان الصحابة، ولو لم ينص عليها -صلى الله عليه وسلم- قول ابن عمر -رضي الله عنه-: «كنا نخيَّر بين الناس في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فنخيِّر أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان -رضي الله عنهم-». ««صحيح البخاري»..

والحمد لله رب العالمين.

 

الخلاصة:

- تجمعُ سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين مُهمين: بين كونه عبدًا لله -سبحانه وتعالى-، وبين كونه داعيًا إلى الله على بصيرة، مسوِّقًا لمنهجٍ من عند الله.

- كمال أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- وصفاته، جعلته ولا شك أعظم من يمكن أن يسوِّق الأفكار للبشرية.

- كان من عناصر الممارسات التسويقية النبوية تحديد المنتج، (وهو دين الله -عز وجل-)، وضوح المنتج وجلاؤه، إضافة للإصرار والثبات على تسويق هذا المنتج النافع.

- استخدم النبي -صلى الله عليه وسلم- كل الوسائل الإعلامية المتاحة في عصره؛ فعرض نفسه الشريفة على القبائل، إلى غير ذلك من وسائل الإعلام البسيطة التي كانت متوافرة آنذاك.

- أدار النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته خير إدارة، وكانت إدارته -صلى الله عليه وسلم- بما يوصل دعوته للبشرية جمعاء، وبما يوصل الأفكار التي يريد أن يوصلها للناس.

 

44