التجربة الماليزية.. الأفكار الخلاقة طريق النهضة


تعد التجربة الماليزية، من أوضح وأعمق النماذج المعبرة فيما يتعلق بتحويل الأفكار والطموحات إلى مشاريع تنموية ناجحة، تحقق نهضة المجتمع وتسهم في تقدمه.
لم تعتمد ماليزيا في تجربتها الهادفة إلى تحويل الأفكار إلى مشاريع، على وصفات سحرية، أو حتى دعم خارجي مهد لها السبيل إلى ذلك، بل نبعت الجهود التنموية من أفكار أصيلة وعميقة، استفادت من تجارب الآخرين وخبراتهم السابقة، وهي الأفكار التي طرحها صانع النهضة الأول في ماليزيا -مهاتير محمد-.
لم يكن -مهاتير محمد- سياسيا فقط، بل كان مفكرا له آراؤه التنموية وأفكاره الثورية، وأطروحاته التي تميزت بالابتكار والتجديد.
في عام 1981 تولى -مهاتير محمد- منصب رئيس وزراء ماليزيا، وعندئذ أتيحت له الفرصة ليقوم بتحويل أفكاره إلى واقع، حتى أصبح اقتصاد ماليزيا أحد أنجح الاقتصاديات في جنوب القارة الآسيوية. ولكن كل ذلك لم يتحقق من فراغ، بل جاءت النهضة الماليزية نتيجة أفكار خلاقة، طرحها مهاتير-، وسعى إلى تطبيقها، فكانت نموذجًا مبهرًا على كيفية تحويل الأفكار إلى حقائق، تتمثل في مشاريع وإنجازات واقعية.
لقد تعددت أفكار -مهاتير محمد- وتشعبت في إطار خطته للتنمية، لكن يمكن رصد أبرز النقاط فيها، للتدليل على قابلية تحويل الأفكار إلى مشاريع، إذا ما توافرت لها عوامل النجاح والاستمرار.
 كانت الفكرة الأبرز، هي تحويل ماليزيا من مجرد دولة زراعية، تعتمد صادراتها على بضع سلع أولية، إلى دولة صناعية ناهضة، يساهم قطاعا الصناعة والخدمات فيها بنحو 90 % من إجمالي الناتج المحلي، وتبلغ نسبة صادرات السلع المصنعة نحو 85 % من إجمالي الصادرات، وتنتج نحو 80 % من السيارات التي تسير في الشوارع الماليزية.
وقد أدى ذلك التحول من الدولة الزراعية إلى الصناعية، إلى قيام النهضة الماليزية وسعيها بخطوات ثابتة إلى مزيد من التقدم، عبر أسس أرساها مهاتير- ودعمها بأفكاره ونظرياته غير المألوفة، التي تميز أغلبها بالتجديد والابتكار، ومن أهمها:
1- التنمية بمفهوم جديد: خرج -مهاتير محمد- بمفهوم التنمية من إطاره الضيق المحدود، والذي يتعلق في الغالب بالنمو، إلى مفهوم أوسع وأرحب، يبحث في معايير وأسس أخرى، مثل الجوانب الاجتماعية والسياسية في البلاد وتأثيرها، وطبيعة العلاقات الدولية، وكذلك العوائق المتمثلة في قيم العمل ومبادئه لدى العمالة المحلية.
2 سياسة النظر شرقًا: من أقوال مهاتير- المشهورة: "إذا أردت الحج أذهب إلى مكة.. وإذا أردت العلم أذهب إلى اليابان"، وقد عبرت تلك المقولة عن ملمح مهم من مشروع مهاتير- النهضوي، وهو الاستفادة من التجربة اليابانية وتمثل إنجازاتها والاستفادة من خبراتها فيما يتعلق بأخلاقيات العمل والتطور التقني والتميز في المجال الصناعي، وهو في هذا المبدأ خالف كل من رأى في أوروبا آنذاك معيار التقدم والازدهار، حيث احتفظ بخصوصية التجربة الآسيوية بشكل عام، بل وأضاف لها.
3- الاقتصاد المسئول: سعى -مهاتير محمد- كذلك إلى تجاوز عوائق القطاع العام، من الترهل الوظيفي وضعف الإنتاج وقلة الكفاءات والإدارة غير المسيطرة، عبر الخصخصة التي ألقت بمسئولية إدارة المنشآت الكبرى، المؤثرة في الاقتصاد الماليزي، على عاتق القطاع الخاص، الذي نهض بها، وحرص على تطورها، متفاديًا في ذلك عيوب إدارة الدولة. وقد مثلت تلك الفكرة، التي حولها مهاتير إلى واقع، نقلة نوعية في الاقتصاد الماليزي، ساهم في ازدهاره وتقدمه.
 إن تلك الأفكار والأطروحات، هي نماذج قليلة من ملامح رؤية -مهاتير محمد- النهضوية، الذي سطر مشوار النهضة بأفكاره التي جاءت وليدة قناعاته ونظرياته وفلسفته الحياتية ورؤيته العميقة، حتى نجح في قيادة بلاده إلى النهضة والتطور ومن ثم إلى بر الأمان بدء مشوار طويل من التضحيات، فيما سطرت أفكاره سجلاً حافلاً من النظريات التي يستحق عليها التكريم، حيث كان رجل أفكار بامتياز، وكذلك رجل مشاريع وإنجازات، وتكمن قوته وقيادته في نجاحه المذهل في تحويل أفكاره إلى مشاريع، حيث تحولت في عهده الأحلام إلى حقائق على أرض الواقع.
138