التأثيرات الإعلامية التي تسوق الأفكار


تغيير الموقف أو الاتجاه:

ونعني به: تغيير رؤية الإنسان لقضية، أو شخص، أو جهة، أو سلوك، أو قيم، وشعوره تجاه هذه الأمور، فموقف الإنسان وتجاهه إنما يتأثر بالمعلومات التي لديه، والوسائل الإعلامية لديها القدرة على إرسال كمية كبيرة من المعلومات تشكل موقف واتجاه المتلقي حسب الطريقة التي ترغب، وبالتالي تشكل وتصنع عقله وفكره.

التغيير المعرفي:

وهو تغيير أعم من تغيير الموقف والاتجاه نحو قضية؛ فهذه لا تعدو أن تكون جزئية من جزئيات المعرفة، والمعرفة أعمق أثرًا من التغيير تجاه موقف طارئ وعارض؛ فالتغيير المعرفي هو مجموع كل المعلومات التي لدى الفرد، وتشمل: الاعتقادات، والمواقف، والآراء، والسلوك، ويتم ذلك من خلال التعرض الطويل لوسائل الإعلام كمصدر من مصادر المعلومات، فأفكارنا وما نعتقده هي حصيلة طبيعية للمعرفة التي لدينا، فالذي يقدم لنا المعرفة هو الذي يصوغ أفكارنا وقناعاتنا، وهنا نؤكد مرة أخرى: أن الدراسات تثبت أن الأطفال يجلسون أمام التلفاز أكثر مما يجلسون أمام مدرسيهم في المدرسة، وللأسف كم يجلس الآباء مع أبنائهم، وبالتالي من يقدم معلومات أكثر تشكل إطارًا معرفيًّا في نظرة الإنسان إلى نفسه والحياة، وبالتالي (من يصنع عقولنا؟!).

التنشئة الاجتماعية:

لم يعد الذي يربي الناس المؤسسات التقليدية السابقة فحسب، فقديمًا كانت القيم والسلوكيات المقبولة في المجتمع تحدد من خلال مؤسسات معينة؛ هي: البيت، والمدرسة، والمؤسسات الدينية (المساجد)، هذه المؤسسات هي التي تحدد المقبول والمرفوض اجتماعيًّا، وبالتالي ينشأ الناس على ذلك، وتصاغ من خلاله أفكارهم وحياتهم كلها، أما الآن؛ فإن وسائل الاتصال الجماهيري أصبحت هي التي تحدد المقبول والمرفوض اجتماعيًّا، وتضاءل -وللأسف- دور المؤسسات التعليمية والتربوية.

الإثارة الجماعية:

ليس هناك أسلوب جماهيري كوسائل الإعلام، ولذا فإن التسمية الدقيقة له: هو وسائل الاتصال الجماهيري، وما من أحد أقدر على إثارة الجماهير بشكل جماعي مثل الإعلام، بل قابلية الناس للإثارة تستجيب عندما تكون القضية جماعية؛ لأن العقل الجماعي يسلب شيئًا من قدرة العقل الفردي؛ ليقوده ويحركه بلا وعي منه.

الاستثارة العاطفية

الإنسان في موقفه من المثيرات الحسية أو المنبهات الذهنية يتنازعه أمران: المشاعر والعواطف، أو المنطق والعقل، وكل واحد منهما عدو للآخر ومنقص له، ونستطيع أن نتحدث عن تشابه كبير في المنطق، وتنوع كبير في المشاعر والعواطف، فالعواطف تستثار عندما يفقد العقل السيطرة عليها، فلا يستطيع الإنسان أن يسيطر على عواطفه دائمًا؛ إذ إن الغرائز -وليس الأفكار وحدها- تحرك العواطف، وتغليف أي فكرة بعاطفة كافٍ لتخطيها حواجز المنطق، وتحقيق الاستثارة العاطفية، وبالتالي تحقيق تمرير للأفكار بدون مقاومة.

الضبط الاجتماعي:

الضبط الاجتماعي أو السلطة غير المرئية ثلاثة أنواع :

الأول: ما يعبر عن أعراف المجتمع وتقاليده.

وداخلي: يعبر عن قيم الإنسان وقناعاته.

وخارجي: يتعلق بقبول الآخرين وموافقتهم.

هذا الضبط الاجتماعي يجعل الإنسان يتصرف ولو كان لوحده وفقًا لما للضبط الاجتماعي الذي يشكل سلطة غير مرئية على الأفراد والإعلام.

ووسائل الاتصال الجماهيري من أهم وسائل الضبط الاجتماعي؛ نظرًا لأنها ذات طبيعة جماهيرية، ويعتمد عليها غالب الناس كمصدر وحيد للمعلومة.

صياغة الواقع:

تعرض وسائل الإعلام الواقع بالشكل الذي ترغب أن تعرضه به في شتى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تعرضه كأنه الواقع المعبر عن الحقيقة، هذه الصورة الذهنية هي التي تبقى في ذهن المتلقي، وكل ما يراه بعد ذلك يخالف هذه الصورة الذهنية ربما اعتبر أنه استثناء، وليس ذلك خاصًّا بالأمور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل حتى في أسلوب الحياة ونمطها، وطرائق التعامل، وثقافة المجتمع وقيمه.. وغير ذلك.

تكريس الأمر الواقع:

وهنا لا تعرض وسائل الإعلام نتفًا، وإنما تعرض الحقيقة السائدة وتكرسها وتزكيها وتبررها وتقرها، حتى يصبح غير ممكن التساؤل عن مدى صواب الشيء وصحته، وبذلك يمكن تكريس نُظُم يصعب الخروج عليها، ولو كانت هذه النظم تكرِّس الطبقية والفروقات الاجتماعية، ولو كانت هذه القضايا تخالف الشرع أو المنطق، وليصبح من ينادي بتغييرها إنسانًا شاذًّا يسعى إلى إفساد المجتمع، والخروج على إجماعه. (انظر: محمد الحضيف، كيف تؤثر وسائل الإعلام.)

74