إظهار العمل الصالح وإخفاؤه والتسويق


ليست الأعمال الصالحة نوعًا واحدًا، فمن الأعمال ما يحسن إخفاؤه كما أنَّ منها ما يَحْسُنُ إظهاره وإشهاره، ويمكن توضيح ذلك بالأصليين التاليين:

الأصل الأول: إخفاء الأعمال غير المفروضة وعدم ذكرها؛ قال تعالى:  {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير}[البقرة:271]، وقال تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُورًا}[الإنسان:9]، وقال بعض الحكماء: (إخفاء العمل نجاة، وإخفاء العلم هَلَكَةٌ).

فالأصل إظهار أعمال الفرائض؛ تبرئةً للذمة، وإظهارًا للشرائع، قال أبو جعفر: (قد أجمع الجميع على أنَّ الفضل في إعلان الفرائض وإظهارها -سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف المختلفين فيها مع إجماع جميعهم على أنَّها واجبة- فحكمها: أنَّ الفضل في أدائها علانية حكم سائر الفرائض وغيرها).

ويستثنى من هذين الأصليين: مَنْ جمع بين الأمرين التاليين:

1 - مَنْ يُقتدى به: قال الحافظ ابن حجر في الفتح : (وفي الحديث استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد يُستحب إظهاره مِمَّنْ يُقتدى به على إرادته الإقتداء به، ويُقدَّر ذلك بقدر الحاجة). اهـ.

2 - ومَنْ أَمِنَ على نفسه خَطَرَاتِ الشيطان: قال ابن جرير: (فيه أنَّه لا بأس في إظهار العمل للناس، لِمَنْ أَمِنَ على نفسه خَطَرَاتِ الشيطان والرِّياءِ والإعجاب). اهـ .

وجمعها ابن عبد السلام فقال: (لكن يستثنى من يُظهره ليُقتدى به، أو ليُنتفع به ككتابة العلم، فمن كان إمامًا يُستنُّ بعلمه، عالمًا بما لله عليه، قاهرًا لشيطانه؛ استوى ما ظَهَرَ من علمه وما خَفِيَ؛ لصحةِ قصده، والأفضلُ في حقِّ غيره: الإخفاءُ مُطلقًا)اهـ

ومما سبق يتضح لنا: أنَّ الإخفاء المحمود يكون في الأعمال الصالحة والعبادات التي تُقرب الإنسان من ربه، وليس في القدرات والإمكانيات والمواهب الخاصة؛ فهذه الأخيرة إظهارها وإخفاؤها يعود للهدف منها، فإن كان الهدف تولي ولاية فتعود لحكم طلب الولاية وقد تقدم، وإن كان الهدف الظهور والشهرة؛ فتعود لحكم الظهور والشهرة، وإن كان الهدف الوصول لأمر من الأمور؛ فهي كذلك.

543


كلمات دليلية: