الحياة في كل جوانبها مجموعة من الأفكار التي تصنع الأحداث والوقائع، وهذه الأفكار تصدر من أصحاب فكر يروجون لأفكارهم ويسوقون لها، كل منهم يسوق لنفسه على طريقته المثلى، وفي النهاية تأتي الأحداث والنتائج استجابة لمؤثراتهم.

والأفكار لابد لها من عقل تطبخ فيه ووعاء تفرغ فيه، ذلك هو الزمان والمكان، والتفكير من صفات الأحياء، ولا ينفك ذلك عنه، فإذا انقطع منه الفكر، كان ذلك دليل على موته، أو ضعف حيويته ضعفًا شديدًا.

والأفكار لابد من أن تسوق لتحقيق مصالح أو أغراض وأهداف، لكن لا يملك أحد النتيجة – عدا الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم – فقد تأتي النتيجة موافقة للغرض الذي من أجله سوق الفكر، وقد تأتي مخالفة تامة، أو تحقق شيئًا وتعجز عن شيء، وقد تحقق شيئًا من الغرض وتحقق معه شيئًا آخر معاكسًا، وهذا لا شك من أنه من الأقدار التي يقدرها الله بحكمته وعلمه، فكل شيء مخلوق بقدر، قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر}[القمر:49].

لكن الله سبحانه وتعالى جعل الحياة تمضي وفق نظام، وهو السنن والأسباب التي قدرها لحصول المسببات، فمن اتبع السنن وأخذ بالأسباب أوشك أن يحقق مطلبه، إلا أن يشاء الله تعالى غير ذلك، وهو الحكيم الخبير، وعلى هذا فليس في ميزان الشارع تعارض بين الإيمان بالقدر وبين إتباع الشريعة والأخذ بالأسباب، فإن القدر والأسباب يسيران في اتجاه واحد ولا يتعاكسان، ومن هنا فإن ترك الأخذ بالأسباب الموصلة لمسبباتها – إذا كان تحصيلها مطلوبًا – تقصير يلام عليه الإنسان، وذنب يحاسب عليه بحسبه.

والأحداث قد يصنعها المرء بنفسه عن طريق تسويق فكره الذي يحقق هدفه، وقد يسوق هذه الأفكار عن طريق معاونين له في ذلك، وهذا تسويق مباشر، ولكن هناك تسويق غير مباشر، وهو التدخل في أفكار الآخرين، لتأتي محققة لأهداف المتدخل فيها، فإذا أمكن أن نجعل الآخر وهو يسوق فكره بإراته ليحقق مصلحته – بحيث يكون ذلك محققًا لأغراضنا – فإن ذلك يعد نجاحًا عظيمًا، إذ يتمكن الإنسان بذلك أن يجعل الآخرين – حتى وإن كانوا مخالفين أو معادين – ساعين أو مساهمين في تحقيق أغراضه بإرادتهم، ووفق قناعاتهم الخاصة بهم لتحقيق أفكارهم التي يرونها.

لكن السؤال الذي نحاول في هذا الكتاب أن نجيب عليه، هو كيف نسوق أفكارنا؟، ومعنى هذا أنه ينبغي لنا أن نبحث عن إجابة للسؤال الذي يقول: ما التقنيات أو الأساليب التي يمكن من خلال إتباعنا لها أن نسوق أفكارنا عند الآخرين؟.

وللإجابة عن هذا السؤال، يحسن بنا أن نستعرض ماهية تسويق الأفكار على مختلف المناحي الشرعية والسياسية والاقتصادية والقانونية والفكرية، وفي النهاية نأخذ العبرة والخبرة من القدوة الحسنة من الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي النهاية نستخلص من تلك المناحي والنماذج الواقعية مثل الجواب المطلوب.

نسأل الله العظيم أن يعلمنا ما جهلنا، وينفعنا بما علمنا، وأن نكون عونًا لصناع الحياة على صناعة الحياة السعيدة التي ترضي الله وتجلب الخير لنا ولمجتمعنا.

 

                                             عبدالله بن سالم باهمام

                                                                          الموقع الإلكتروني الخاص: BA-HAMMAM.NET

                                                                 المملكة العربية السعودية- الرياض- ص.ب 380رمز بريدي 11411

                                                               – بريد الكتروني :

                                                                                                            ABDULLAH@BA-HAMMAM.COM 

                                                    أو        –                : A-BAHAMMAM@HOTMAIL.COM