العمل الخيري - بوصفه قيمة إنسانية كبرى تختزل معاني العطاء والبذل - سلوك حضاري حي لا يمكنه النمو سوى في المجتمعات المتقدمة، على صعيد الوعي بالقيم والمعرفة، وهو كذلك يلعب دورًا إيجابيًا مهمًا في تطور المجتمعات وتنميتها، والمحافظة على مسيرة تقدمها عبر إفساح جهات العمل الخيري المجال للفرد للقيام بدور فعال في النهوض بالمجتمع، وإتاحة الفرصة للمساهمة في عمليات البناء الاجتماعي والاقتصادي اللازمة. كما يساعد العمل الخيري على تنمية الإحساس بالمسؤولية لدى أفراد المجتمع، وإشعارهم بالقدرة على العطاء، وتقديم الخبرة والنصيحة في المجال الذي يتميزون فيه ويكتشفون قدرتهم على البذل والعطاء من خلاله.
ولقد قام العمل الخيري - بشكل عام - بلعب دور كبير في نهضة الكثير من الحضارات الإنسانية، ونشر القيم الإيجابية التي تمثل الدافع للبذل والعطاء عبر العصور بوصفه عملا خاليًا من الربح، وباعتباره ليس مهنة تتخذ للارتزاق والتربح، بل هو عمل يقوم به الأفراد لصالح المجتمع ككل هذا من جهة.
ومن جهة ثانية فإن المؤسسات أو المنظمات الخيرية ما هي إلا الجزء المكمل للمؤسسات الحكومية في أي مجتمع، والتي تساعدها على القيام بدورها في النهوض به وتلبية احتياجاته؛ وبالتالي لا يمكن لأي مجتمع الاستغناء عن هذين النمطين من العمل المؤسساتي في إطار تقدمه، ففي الولايات المتحدة الأمريكية - على سبيل المثال - تنتج المؤسسات غير الربحية 25% من الناتج القومي، ويمثل عدد العاملين فيها أكثر من 30 % من إجمالي القوى العاملة في البلاد.
ومن جهة ثالثة، فإن الداعمين والمتبرعين هم الأعمدة الفقرية للعمل الخيري، بهم يقوم وعليهم يعتمد، فالمؤسسات الخيرية تعتمد بشكل أساسي على دعم المتبرعين في تمويل مشاريعها أو في قوتها العاملة، فالمتبرع هو الداعم الرئيس لقوتيها المالية والبشرية على حد سواء، وبقدر حجم تواصل المتبرع مع المؤسسات أو المنظمات أو الأعمال الخيرية، بقدر ما يزداد نشاط هذه المؤسسات وتقدم خدماتها وتؤدي واجباتها التي ينتظرها المجتمع منها على الوجه الأكمل، ولعل هذا ما حدا بهذه المنظمات إلى معاملة المتبرع لها معاملة العميل؛ إذ تقدم له الخدمات والمزايا، وتفسح له مجال المشاركة في تصميم المنتج أو الخدمة التي تقوم عليها المؤسسة الخيرية، وتعتبر قدرته المالية عند تسعير المنتج، وتعد توجهاته أساسًا في عمليات الترويج ومكانته في تحديد منافذ التوزيع، فهو حجر الأساس في العمليات التسويقية.
وبالرغم من كل ذلك، لم تتوافر حتى الآن دراسات توضح أبعاد العلاقات التفاعلية بين المتبرع والمنظمة الخيرية من وجهة نظر "تسويقية"، على الرغم من أن سلوك المتبرعين وتوجهاتهم والجهد التسويقي الذي يوجه للمتبرع وعوامل البيئة المؤثرة على المنظمة والمتبرع، كلها عوامل تسهم في صياغة الخطة التسويقية للمنظمة الخيرية، وبناءً على ذلك توجه المنظمة، بالتالي تسهم في النهوض بها، وتجعلها قادرة على المنافسة والتميز بالشكل الذي يؤهل هذه المنظمة للبقاء والنمو المناسب لتأدية رسالتها في المجتمع.
ويمكن القول في هذا السياق، أن المشكلة التي تتعرض لها الدراسة - كما سيتضح فيما يأتي - تتعلق في جانب رئيسي بعلم "التسويق" وآليات استخدامه في حفز العلاقة بين المتبرع والجهة الخيرية وتفعيلها وتنميتها. والمعروف أن التسويق بشكل عام، علم وفن. علم يستمد أسسه ومبادئه من القواعد والنظريات الموضوعة من قبل العلماء والمنظرين، وفن يستمد أدواته من خلال المهارات والكفاءات والإبداعات التي يستطيع رجل التسويق استغلالها أثناء الممارسة لعمله.
وعند العودة إلى أدبيات الإدارة نجد أن تسويق المشاريع التجارية أو الربحية نال في العالم العربي حظًا كبيرًا من الاهتمام والدراسة، حيث إن كتب التسويق باللغة العربية كثيرة جدًا، وتناولت جميع تفصيلات العمليات التسويقية وتفريعاتها، مما حدا بأغلب المؤسسات والمنظمات التجارية إلى القيام بدراسة تسويقية قبل البدء في المشروع، لكن في المقابل نجد أن تسويق المشاريع الخيرية لم تنل حظًا في العالم العربي إلا قليلا، وأن كثيرًا مما كتب عنه إنما هو مترجم من كتب أجنبية قد لا يصلح بعضها للتطبيق في مجتمعات لها طبيعة مغايرة.
والملاحظ أن كثيرًا من المؤسسات الخيرية لا تقوم بدراسات تسويقية، وإن قامت فهي ليست دراسات بالمفهوم التسويقي الحديث، كما وأنها إن أرادت وضع دراسة تسويقية فقد تعوزها المراجع والدراسات العلمية التي توضح لها كيفية إسقاط النظريات والدراسات التسويقية التي تستهدف الربح على منظماتهم ومؤسساتهم الخيرية في ظل اختلاف الأهداف والظروف والرسالة واختلاف المسميات وما شابه ذلك. وكما ذكرنا فإن المتبرعين في هذه المنظمات هم حجر الأساس الذي يجب أن تتوجه إليه العمليات التسويقية، وهم المحور الأساس الذي توضع الخطط والاستراتيجيات التسويقية بالاعتماد عليه، وهذا ما يعني أن فهم طبيعتهم وسلوكهم والعوامل المؤثرة عليهم هو الذي يعطي أية منظمة القدرة على وضع خطط تسويقية مناسبة لأوضاعها ومناخها العام والخاص.
وانطلاقًا من تلك المشكلة التي تؤخذ على جهات العمل الخيري، نقص أو ضعف دراساتها في مجال التسويق، وخاصة فيما يتعلق بآليات تعاملها مع المتبرع، فإن هناك العديد من التساؤلات التي تسعى تلك الدراسة للإجابة عنها ووضع حلول علمية وتطبيقية لها، في إطار بحث العلاقة التفاعلية التسويقية بين المتبرع والمنظمة الخيرية.
وتنبع أهمية هذه الدراسة من رصدها وتعريفها بالأمور التالية:
1- التعريف بالجمعيات والمنظمات الخيرية، التي تلعب دورًا مكملا لمنظمات الدولة الأخرى في مسيرة المجتمع التنموية، ويعوَّل عليها في نهضة الدول وتقدمها.
2- التعريف بسير العملية التسويقية وتفاعلاتها التي ترافق النمو المتواصل للمنظمات الخيرية في المجتمعات العربية، الأمر الذي يجعل هذه المنظمات أكثر قدرة على التفاعل الإيجابي واستغلال الفرص والبعد عن المحاذير فيما يتعلق بالتعامل بين المتبرع والمنظمات الخيرية.
3- إيضاح العلاقات التفاعلية بين مؤسسات الخدمة والمستفيدين، وشرحها من خلال التركيز على ما يُعرف بـ "التسويق الخيري"، الذي يعد على درجة كبيرة من الأهمية، حيث يعتبر الأساس الذي تعتمد عليه المنظمات الخيرية.
4- حاجة السوق الخيرية إلى بحوث تنير لها الطريق في التعامل مع المتبرعين في المنظمات الخيرية على اختلاف تخصصاتها؛ من أجل الرقي بالعمل الخيري في المجتمعات العربية، وبغية الوصول إلى مجتمع أفضل وأكثر رخاء من خلال تفعيل دور جهات العمل الخيري، إضافة إلى ندرة الأبحاث والدراسات العلمية المعمقة في هذا المجال في عالمنا العربي؛ الأمر الذي يعطي هذه الدراسة أهمية خاصة في تسليطها الضوء على هذا المجال.
5- دراسة تسويق الخدمات في المنظمات الخيرية والذي يعد من أصعب مواضيع التسويق؛ فهو تسويق خدمي خيري لا ربحي، ولكنه قطعًا أمتع بسبب عنصر المواجهة الشخصي المتداخل كما يقول "دون إياكوبوتشي" أستاذ التسويق بجامعة (نورث وسترن) ، وبسبب تأثره بشكل كبير بعوامل كثيرة سوف نعمل على إبرازها في هذه الدراسة.
6- التعريف بأهمية المنظمات الخيرية ودورها الفاعل من خلال توسيع نشاطها التسويقي الذي يحث مسئولي إدارة هذه المنظمات على السعي الدؤوب للاستفادة من الخبرات المتوفرة في هذا المجال، ويحفز الجهات المشرفة عليها لبذل قصارى جهدها وكل ما بوسعها من إمكانية لتحسين كفاءتها التسويقية.
كذلك تهدف هذه الدراسة في المقام الأول إلى المساعدة في دعم المسيرة التنموية للمجتمع من خلال تفعيل قطاع من قطاعات المجتمع الرئيسة ألا وهو القطاع الخيري، وتعمل الدراسة على صياغة رؤية لهذا التفعيل تتم من خلال تفعيل "التسويق" في ذلك القطاع، والتركيز على بحث العملية التفاعلية بين المتبرع والمنظمة الخيرية بكافة أبعادها، في إطار سعيها لتحقيق عدة أهداف رئيسة، منها:
1- توجيه عناية المسئولين الإداريين إلى ضرورة تطوير حقول المعرفة التخصصية الإدارية في مجال الاهتمام بالمنظمات الخيرية وتطويرها؛ بما يسهم في تحقيق الانسجام والتوافق مع النظريات العلمية ومواكبة التطورات الحضارية.
2- المساهمة في رفع الكفاءة التسويقية للمؤسسات الخيرية والعمل الخيري؛ حيث إن ذلك من شأنه أن يسهم في رفع مستوى حياة المجتمع ورخائه بصفة عامة.
3- إعطاء تصور متكامل عن المتبرعين؛ يعكس ويظهر أنماطهم وسلوكهم والعوامل المؤثرة فيهم وأبعاد علاقاتهم التفاعلية مع المنظمة.
4- إيضاح العلاقة التي تربط بين سلوك واتجاهات المتبرعين وبين الجهود التسويقية، ومدى التفاعل بينهما.
5- اقتراح آلية لتقوية البرامج التسويقية في المنظمات الخيرية وجعلها متوافقة مع سلوك المتبرعين.
6- تسهيل عملية فهم رغبات واحتياجات المتبرعين وتوضيح أثر ذلك على المنظمات الخيرية والعكس.
7- مساعدة الجهات المعنية التي تضع أنظمة المؤسسات الخيرية وخططها التسويقية في معرفة تأثير المتبرعين على هذه الأنظمة وتأثيرها فيهم، والأبعاد المتعددة لعلاقة المتبرعين بالجهة الخيرية.
وهكذا تسعى الدراسة إلى إفادة العديد من الجهات المعنية والفئات المستهدفة، مثل:
1- الجهات الرسمية المشرفة على العمل الخيري، مثل وزارات الشؤون الاجتماعية أو وزارات الشؤون الإسلامية أو وزارات العمل.. وغيرها، والتي تسعى لإفادتها سواء في التعامل مع المؤسسات الخيرية أو في وضع أنظمتها أو في آليات تفعيلها وإزالة العوائق التي قد تحول دون تحقيق أهدافها.
2- المؤسسات والجمعيات والمنظمات الخيرية، بمختلف تخصصاتها وفئاتها وأنواعها، سواء منها الاجتماعية أو العلمية أو الصحية.. غير ذلك.
3- مسئولي تنمية الموارد المالية وتسويق المشاريع الخيرية.
4- دارسي التسويق بصفة عامة، والتسويق الخدمي بصفة خاصة، وتسويق المشاريع الخيرية بصفة أخص؛ حيث سعت الدراسة إلى تغطية جانب هام تتجه إليه العمليات التسويقية.
وجدير بالذكر أن الدراسة التي بين يدي القارئ، هي مختصر لرسالتي في الدكتوراه تقدمت بها للحصول على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال - تخصص تسويق من كلية الاقتصاد - جامعة دمشق، قمت باختصارها وتنسيقها لتعم الفائدة منها للجميع.
تبقى الإشارة إلى أنه قد تم تغيير بعض الألفاظ الإدارية التجارية - أو على الأقل معانيها - بما يتناسب مع العمل الخيري ويتفق مع أهدافه، فمثلا استخدام كلمة "ربح" في جميع الأعمال التجارية يتخذ معنى واحد، بينما في الأعمال غير الربحية - خاصة الخيرية - فإنه يأخذ معنى آخر.
وختامًا، نأمل أن يكون هذا الكتاب منطلقًا لدراسات أخرى مكملة، تعمل على تفعيل الجانب التسويقي وتنميته - كعلم وفن - لخدمة العمل الخيري ودعمه، من أجل تقدم المجتمع وازدهاره.