نتعلم في دراستنا في المدارس وغيرها الكثير من العلوم، إلا أنَّه -وللأسف- يبقى تعليم التفكير من أضعفها، مع أنَّه هو المعالج لكل المعلومات التي تصلنا، وبالتالي نعقل به الأمور ونزنها، فنصوبها أو نخطئها، وترشدنا؛ فننطلق أو نحجم.

ولذا كان من المهمات المهمة لمن أراد أن يسوق نفسه: أن يتعلم بعض مهارات التفكير، ونحب أن نؤكد على أربع من هذه المهارات والقدرات:

1- المنطق العقلي:

كان الشافعي -رحمه الله- يقول: ((من تعلم الحساب جزل رأيه))؛ فالمنطق يعطي للعقل محددات تحكمه، يقيس بها الأمور، ويزن بها خطواته؛ ولذا نهى الله -عز وجل- عن كل ما يذهب العقل من خمر، أو غيره، أو حتى من أحوال تذهب العقل كالغضب، أو الجوع الشديد، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا طلاق في إغلاق))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة لرجل وهو حاقن، ولا وهو يدافع الأخبثين)).

فالمنطق العقلي يصاحبه جزالة الرأي، وقوة الحجة، ونفاذ الرأي، وسداده بإذن الله.

والشافعي فيما ذكرنا عنه كان يدلنا على أسلوب وطريقة من طرق تنمية جزالة الرأي، ولا شك أنَّ هناك أساليب كثيرة؛ منها: دراسة أقوال الأذكياء الذين لديهم محددات عقلية عالية.

ولا شك: أنَّ من أحسن هؤلاء الأذكياء وأقواهم محددات ومنطق عقلي هم الفقهاء الأصوليون على وجه الخصوص، كما أنَّ من الأساليب لزيادة المنطق العقلي: تعلم إحدى لغات البرمجة في الحاسب الآلي؛ فهي تعتمد المنطق العقلي الرياضي بدرجة كبيرة.

2- الإبداع:

وهو الخروج عن خداع المحددات العقلية، فمع أهمية المنطق العقلي إلا أنَّ المنطق العقلي خادع الأذكياء! أو من يظنون أنفسهم كذلك! فالخروج عن العادة والروتين، واكتشاف طرق جديدة في التعاطي مع القضايا هو الإبداع الذي نحتاجه؛ لتحقيق كثير من النتائج التي نصبوا إليها.

والإبداع ليس حركة ذهنية عابثة مجنونة بقدر ما هو نمط ذهني وعقلي يتعلمه الناس، ومن يسوق نفسه ستقابله تحديات كبيرة يحتاج إلى تجاوزها، وبالتالي يحتاج إلى أساليب إبداعية في التعامل معها، كما أنَّ أي شخص نمطي قيمته تصبح مع التقادم صغيرة جدًّا! بل ربما فاقه أقرانه وتعدوه.

ومن أجل تعلم كامل للإبداع، يحتاج الشخص أن يزيد من لياقته، ومرونته الذهنية والنفسية، وهذا يحتاج إلى تدريب، ومران، وعزيمة، وصبر.

3- التفكير المنظم المتوازي:

من أكبر آفات التفكير التشتت والتداخل، فهو يجعل الأفكار تهدم بعضها بعضًا أكثر مما تُبنى على بعض، وبالتالي يصبح الفكر يدور في مكانه؛ فالأفكار المتضاربة لا تنتج فكرة ناضجة واضحة؛ ولذا كانت من المهارات المهمة: التفكير بطريقة منظمة متوازية يبني بعضها على بعض، بدلًا من أن يهدم بعضها بعضًا.

وترتفع قيمة الإنسان بارتفاع قدرته على إنتاج أفكاره بطريقة متوازية، إذ إنَّ بعض الناس يسيطر عليهم مثلًا التشاؤم، أو التفاؤل، أو يفكر بهما كليهما بطريقة متضاربة، وأحيانًا يسيطر عليه التفكير المنطقي، أو تسيطر عليه مشاعره في التفكير، أو تتضارب مشاعره والمنطق، وغير ذلك كثير من صور التضارب، وهذا يجعل تفكيره يهدم بعضه بعضًا؛ من حيث أن يتوازى التفكير فيتزن ويتسق ويبني بعضه على بعض؛ مما يجعل قابلية الإنسان لإنتاج أفكار ناضجة أكبر، وبالتالي قيمته تكون أكبر، وقدرته على تسويق نفسه أكبر.

4- الذكاء العاطفي (الوجداني):

كثير من الأذكياء لم ينجحوا النجاح الذي يرجونه في حياتهم، وكثير من الناس الذين قد يبدون أنَّهم أقل ذكاءً؛ لكنَّهم حققوا نجاحًا متميزًا في حياتهم.

وتثبت الدراسات أنَّ مردَّ ذلك كثيرًا ما يكون إلى الذكاء العاطفي، الذي هو: القدرة على إدراك الانفعالات، أو العواطف بدقة، وتقييمها، وتنظيمها، والتعبير عنها، أو حتى توليدها، ولا يقود من لا يملك ذلك؛ فقيادة الناس ألْصَقُ بالمشاعر، والقدرة على التعرف عليها، وفهمها وتنظيمها، والتعامل معها، بل وتوظيفها، أو توليدها.

ونحن نعني بذلك مشاعر الناس كما نعني ما هو أهم وأخطر! وهو مشاعر الشخص نفسه التي تعطيه رؤية أفضل لنفسه وحياته، وبالتالي ثقة في النفس، واتزان، وطمأنينة، وبالتالي رؤية أعمق لمشاعر الناس وعواطفهم، وبالتالي قدرة أكبر على قيادتهم وتحريكهم نحو الأهداف التي يرغب الإنسان فيها.

ومن تأمل في سيرته صلى الله عليه وسلم وجد من ذلك عجبًا، ففي فتح مكة لما قال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أبا سفيان رجل يحب الفخر))، قال صلى الله عليه وسلم: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن))، مع أنَّه: ((من دخل داره؛ فهو آمن)).

وانظر إليه صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية لما يأتيه الرسل كيف يعرف كل واحد منهم المعرفة الدقيقة، كما يعرف أصحابه معرفة دقيقة جدًّا، واسمع أصحابه وقد ملئت محبته صلى الله عليه وسلم شغاف نفوسهم (فإذا تكلموا خفَّضُوا أصواتهم، وما يحَِدُّونَ إليه النظر؛ تعظيمًا له)، ومن أراد أن يكون للمتقين إمامًا؛ فليكن إمامُ المتقين إمامَه.