بعد أن أصبح لدينا فكرة متكاملة مكتوبة نحتاج أن نتأكد من أننا أنضجناها بالحد الذي يكفي؛ ولذا ينبغي أن تمر الفكرة في ذهن صاحبها بعدة عمليات عقلية بقصد الإنضاج النهائي للفكرة والتأكد من مناسبتها وتدعيمها وتكييفها، ومن أهم هذه العمليات ما اقترحه - إدوارد دي بونو- لمرحلة ما قبل تقييم الفكرة ( إدوارد دي بونو،الإبداع الجاد )، وهي كالتالي:
أولًا: صقل الأفكار:
وينبغي هنا أن نستخدم القيود لصقل الفكرة بشكل مناسب أكثر. وهذه عملية إبداعية فعالة. إن الصورة تشابه صانع الفخار الذي يستخدم يديه لصقل الفخار على الدولاب. وهذا ينتج فخارًا أفضل.
ويمكن توضيح صقل الفكرة بالأمثلة التالية:
1- هذه الفكرة مكلفة جدًّا.هل نستطيع تنفيذها بكلفة أقل؟.
2- كما أن الفكرة هذه غير قانونية في وضعها الراهن. هل توجد طريقة لجعلها قانونية؟.
3- إن هذه الفكرة غير مقبولة بشكلها الحالي. كيف نستطيع جعلها مقبولة؟.
وهنا نبذل وعي وجهد فعال لمحاولة أن تكون الفكرة الجديدة مناسبة لقيود الواقع. بل من الممكن كذلك تحدي القيود نفسها من حين لآخر، من أجل الوصول إلى فكرة إبداعية.
ثانيًا: تكييف الفكرة:
إن عملية التكييف معنية بالمصادر المتاحة. يجب قص القماش ليناسب القياس المطلوب. فهل يمكن قص الفكرة لتناسب المصادر المطلوبة؟ قد تكون شركة كبيرة قادرة على إنجاز فكرة ما بطريقة معينة ولكن الشركة الصغيرة يجب أن تستخدم طريقة مختلفة.
تكييف الفكرة في بدايتها يخنق أي جوانب إبداعية فيها، ولذا أرجأنا تكييفها إلى هذه المرحلة، ومن جانب آخر لا ينبغي أن يكون التكييف دائمًا تغيير في الفكرة لتتناسب مع المصادر المتاحة، بل ربما رؤية جديدة للمصادر المتاحة أو تغيير في طريقتنا في توفير هذه المصادر أو ابتكار واستخدام مصادر أخرى بديلة أو غير ذلك كثير.
ثالثًا: تقوية الأفكار:
إن لكل فكرة قوة محددة. وهذه قد تكون إحدى فوائدها أو جاذبية الفكرة أو سهولة تطبيقها. إن أحد أقسام معالجة الفكرة هو تحديد هذه القوة والسعي لدعمها. وهذه ليست عملية شاملة لتحسين الفكرة. إنها محاولة لدعم القوة المركزية للفكرة التي جعلتنا نتحمس لها ونركز عليها.
إن عملية تقوية الفكرة تتعامل فقط مع قوة أو نقاط القوة للفكرة والتي تكون قوية عادة من أجل تقويتها أكثر وتوسيع عنصر القوة ونشره على جميع جوانب الفكرة.
رابعًا: تدعيم الأفكار:
إذا كان في البناء ضعف في مكان ما فيجب تدعيم هذه المنطقة وهكذا الأفكار أيضًا. إننا نركز هنا على نقاط الضعف في فكرة ما ونحاول تدعيم هذه النقاط. إن الضعف ليس خطأ أو عطلا بقدر ما هو نقطة فشل محتملة أو مشكلة متوقعة.
قد يكون ضعف الفكرة في تعقيدها أو احتمال إساءة استخدامها.
يفترض الأشخاص المبدعون غالبًا أن مستخدمي فكرة جديدة سوف يكونون متحمسين مثل مبدعي الفكرة. وهذا ليس صحيحا. إن الفكرة الجديدة بالنسبة لغير مبدعيها تعني الشجار والإزعاج والمخاطرة. لذلك يحتاج مستخدمو فكرة جديدة لمعرفة ماذا تحوي الفكرة لهم.
إن النزاع مع الأفكار الموجودة وصعوبات فترة الانتقال هي مصادر معروفة لضعف الفكرة. هل يمكن تبسيط الفكرة أم يجب أن تنفذ دفعة واحدة؟ يجب أن نبذل وسعنا لتدعيم جوانب الضعف في هذه المرحلة، وجوانب الضعف هذه التي يمكن أن تكون قد زالت أثناء صقل الفكرة أو تكييفها أو دعم عناصر القوة فيها، أما إن كانت لا تزال موجودة فقد آن الأوان للتركيز عليها لإزالتها.
خامسًا: قبول الفكرة أو إقناع من حولك بالفكرة:
قد تذهب فكرة رائعة سدى إذا حدث إخفاق في الاهتمام بخطوات القبول. وقد يكون الأمر مجرد مسألة وضع الفكرة في الصيغة الصحيحة أو تقديمها في السياق الصحيح. وقد تكون مسألة بناء أو تأكيد الفوائد المباشرة لأولئك الذين سيطبقون الفكرة؛ وذلك لأن كثيرا من الأفكار يحتوي على شيء من المخاطر والاستثمار قبل ظهور القيمة.
إذن ينبغي التفكير في: كيف يمكن تخفيض الخطر؟، وهل توجد طريقة لتوجيه الفكرة ومن ثم استخدام النتائج لزيادة قبول الفكرة؟، وهل توجد طريقة لدفع الناس للشعور بشيء من امتلاك الفكرة؟، وهل يوجد بعض الاعتبار في كونك أول من يجرب فكرة جديدة؟
سادسًا: المقارنة:
ويقصد بها، مقارنة الفكرة الجديدة بالأفكار المعمول بها، أو بين الأفكار الجديدة نفسها؛ حيث إن المقارنة تظهر وبشكل سريع الفوائد والتوفير والصعوبات، كما تظهر المقارنة أن الفكرة الجديدة جيدة ولكنها لا تقدم فوائد مميزة بالنسبة للقديمة.
ويجب الانتباه إلى الأسئلة التالية: ما هي نقاط الاختلاف؟، ما هي نقاط التشابه؟، هل المفاهيم مختلفة أم هي طرق مختلفة لإنجاز نفس المفهوم؟، هل نقاط الاختلاف جوهرية أو مظهرية؟، هل القيم التي تعطيها الأفكار مختلفة تأتي عبر آليات مختلفة أم عبر الاستخدام المختلف لنفس الآلية؟.
إن الفكرة التي قد تبدو قوية لوحدها غالبًا ما تبدو ضعيفة عند مقارنتها بأفكار أخرى.
ويمكن أن تتحول فوائد الفكرة الجديدة لتصير معتمدة فقط على الآمال والتوقعات والأمنيات أو في حالة الشروط المثالية.
ويجب لأية فكرة جديدة جيدة أن تمر عبر اختبار المقارنة وأن تظهر أن الفوائد الموعودة متحققة وجوهرية وفعالة.
سابعًا: الأخطاء والعيوب:
عند هذه النقطة، يمكن اعتبار أخطاء وعيوب الفكرة الجديدة مباشرة.
إن سبب إبقاء هذه العملية المهمة حتى وقت متأخر في عملية التعامل، هو أن العديد من العيوب قد يظهر لاحقًا، ومن جهة أخرى من الممكن التغلب على بعض الأعطال أثناء عملية التدعيم وعبر اعتبارات قبول الفكرة. ويجب أن تتوافر لدينا الآن في كل الأحوال صورة واضحة عن العيوب والأخطاء والمشكلات.
قد يكون العيب الجديد سببًا لإلغاء الفكرة إذا فشل جهد التغلب على هذا العيب.
ويجب أن يستعد الناس لتوقع فوائد كبيرة برفض قبول أية فكرة تعد بمثل هذه الفوائد، ولكن الناس غير مستعدين لقبول حتى ولو مخاطرة بسيطة من عطل معروف في فكرة ما.
إن التوازن بين الفوائد والأعطال يسهل تطويره بإزالة العطل أكثر منه بزيادة الفوائد. يكره الناس المخاطرة والأخطاء، ولا يلام أحد على الفشل في أخذ الفرصة، ولكن يلام الجميع عند قبولهم بفكرة ذات مشكلات معروفة.
إن الجهد الإبداعي النهائي هو مقاومة هذه الأعطال بتعديل الفكرة لتجنب المشكلات أو عبر حل المشكلة الإبداعية المباشر.
ثامنًا: العواقب:
إن الخطوة الأخيرة في معالجة فكرة جديدة هي محاولة معرفة عواقب تطبيق الفكرة. ماذا يمكن أن يحصل إذا استخدمت الفكرة؟.
هذا نوع من تحليل لحظة بلحظة على مدىً قصير وكذلك نظرة بعيدة إلى العواقب، ويتضمن:
1- ماذا سيحصل مباشرة؟.
2- ماذا سيحصل في الفترة المنظورة؟.
3- ماذا سيحصل في الفترة الوسطى؟.
4- ماذا سيحصل على المدى الطويل؟.
قد يظهر الاختبار العواقب مزيدًا من نقاط الضعف والأعطال الجديدة والصعوبات. ويجب أن تكون هذه النقاط جزءًا من معالجة الفكرة. وقد توجد فجوات و أمور مجهولة. كما يجب اقتراح سيناريوهات بديلة محتملة. ويمكن وضع بعض الاحتمالات. ويجب الأخذ في الاعتبار البيئة والشروط المختلفة التي ستنفذ ضمنها الفكرة، كما يجب أن توجد أوضاع تراجع وطرق لتعديل الفكرة.
 ومن المهم قبل ختم هذه المرحلة التنبيه على أننا نحتاج خلال عملية الإنضاج النهائي هذه أن نكون متفائلين إيجابيين وإلا قمنا بالتقييم الذي هو المرحلة التي تليها بدلاً من الإنضاج، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن (رواه ابن ماجة).